الزينة والجوهر

أ.د/ محمد مختار جمعة
وزير الأوقاف

   كثير من الناس ينخدعون بالزينة والطلاء عن المعدن والجوهر , وعلى الرغم من تأكيدنا أننا نحتاج إلى حسن المظهر , وإلى حلاوة اللفظ وجمال المعنى , وعظمة الشكل والمضمون معًا ,  لأنهما كالروح والجسد الذي لا غنى لأحدهما عن الآخر , ولا قيام له دونه , فإن النظرة إليهما يجب أن تكون متوازنة , وأن نعطي كل منهما قيمته وقدره ونسبته دون شطط أو تجاوز أو إفراط أو تفريط , فلا يأخذ الشكل أو المظهر أكثر مما يستحق ولا دون ما يستحق , وكذلك الأمر بالنسبة للمبنى والمعنى.

    لكن الحذر هو أن ننخدع بالمظهر وحده , فقد يحمل الإنسان في يده سيفًا ويقلده من الذهب والفضة ونفائس العقيان ما يظن أنه رافع من قيمته وشأنه , ويحيط نفسه بهالة من السيوف والدروع ، غير أنه إذا كان مع ذلك جبانًا أو خائر القوى فلن تغني عنه دروعه ولا سيوفه يوم الروع شيئًا , ويظل البطل رابط الجأش قوي الشكيمة فوق كل جبان ، مهما تحصن الجبناء بظواهر الأشياء أو مظاهرها الخادعة.

   إن التوازن مطلوب في كل شيء غير أن الجوهر يظل جوهرًا ، والمظهر يظل مظهرًا , وما أجمل أن يجتمع للإنسان المظهر والجوهر معًا ، على حد قول الرافعي (رحمه الله) : إن خير النساء من كانت على جمال وجهها ، في أخلاق كجمال وجهها ، وكان عقلها جمالاً ثالثاً ؛ فهذه إن أصابت الرجل الكفء، يسرت عليه، ثم يسرت، ثم يسرت؛ إذ تعتبر نفسها إنساناً يريد إنساناً، لا متاعاً يطلب شارياً ، وهذه لا يكون رخص القيمة في مهرها، إلا دليلاً على ارتفاع القيمة في عقلها وأدبها ودينها ، فالمرأة للرجل نفس لنفس ، لا متاع لشاريه ؛ والمتاع يقوَّم بما بُذل فيه إن غالياً وإن رخيصاً، ولكن الرجل يقوم عند المرأة بما يكون منه؛ فمهرها الصحيح ليس هذا الذي تأخذه قبل أن تحمل إلى داره، ولكنه الذي تجده منه بعد أن تحمل إلى داره؛ مهرها معاملتها، تأخذ منه يوماً فيوماً، فلا تزال بذلك عروساً على نفس رجُلها ما دامت في معاشرته. أما ذلك الصداق من الذهب والفضة، فهو صداق العروس الداخلة على الجسم لا على النفس؛ أفلا تراه كالجسم يهلك ويبلى، أفلا ترى هذه الغالية -إن لم تجد النفس في رَجُلها- قد تكون عروس اليوم ومطلقة الغد؟!

   فإذا انتقلنا إلى التدين الحقيقي الصحيح والتدين الشكلي أو السياسي نجد أن ظاهرة التدين الشكلي والتدين السياسي تعدان من أخطر التحديات التي تواجه المجتمعات العربية والإسلامية , سواء من هؤلاء الذين يركزون على الشكل والمظهر ولو كان على حساب اللباب والجوهر , وإعطاء المظهر الشكلي الأولوية المطلقة , حتى لو لم يكن صاحب هذا المظهر على المستوى الإنساني والأخلاقي الذي يجعل منه القدوة والمثل, ذلك أن صاحب المظهر الشكلي الذي لا يكون سلوكه متسقًا مع تعاليم الإسلام يُعد أحد أهم معالم الهدم والتنفير , فإذا كان المظهر مظهر المتدينين مع ما يصاحبه من سوء المعاملات , أو الكذب , أو الغدر , أو الخيانة , أو أكل أموال الناس بالباطل , فإن الأمر هنا جد خطير , بل إن صاحبه يسلك في عداد المنافقين , ألم يقل نبينا (صلى الله عليه وسلم) : “آية المنافق ثلاث ، إذا حدث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا اؤتمن خان”، ويقول (صلى الله عليه وسلم) : “أربع من كُنَّ فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خُلَّة منهن كانت فيه خُلَّة من نفاق حتى يدعها: إذا حدَّث كذب، وإذا عاهد غَدَر، وإذا وعَدَ أخلف، وإذا خاصم فَجَر” ، ويقول (صلى الله عليه وسلم) : ” إن شر الناس ذو الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه” ، وكان سيدنا عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) يقول : “من أبدى فوق ما في قلبه فهو منافق”.

    وأخطر من هذا التدين الشكلي التدين السياسي ونعني به هذا الصنف الذي يتخذ الدين وسيلة ومطية للوصول إلى السلطة من خلال استغلال العواطف الدينية وحب الناس وبخاصة العامة لدينهم , وإيهامهم بأن هدفه من الوصول إلى السلطة إنما فقط هو خدمة دين الله – عز وجل – والعمل على نصرته والتمكين له .

    وعلينا أن نفرق وبوضوح شديد لا يقبل الالتباس بين التدين الحقيقي الخالص لله (عز وجل) وهو ما نسعى إليه ، ونسأل الله أن يهدينا إليه وبين التدين الشكلي المظهري الذي تحاول الجماعات المتطرفة من خلاله تسويق أنفسها على أنها حامية الدين .

مقالات ذات صلة