:أهم الأخبارمقالات

من شيم الكرام

أ.د/ محمد مختار جمعة وزير الأوقاف
أ.د/ محمد مختار جمعة
وزير الأوقاف

      هناك قيم إسلامية وإنسانية أكد عليها ديننا الحنيف وأعطاها حقها , غير أن كثيرًا من الناس يغفلون عنها , أو لا يعطونها ما تستحق من العناية والرعاية , ومن أهمها إكرام الضيف وإطعام الطعام , يقول سيدنا عبد الله بن سلام (رضي الله عنه) : قدم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) المدينة , فأتيته فلما نظرت إليه علمت أن وجهه (صلى الله عليه وسلم) ليس بوجه كذاب , فكان أول ما سمعت منه قوله (صلى الله عليه وسلم) : “أَيُّهَا النَّاسُ أَفْشُوا السَّلَامَ ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ ، وَصَلُّوا وَالنَّاسُ نِيَامٌ ، تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ” (سنن الترمذي) , ويقول نبينا (صلى الله عليه وسلم) : “مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلاَ يُؤْذِ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ” (متفق عليه) .

       وإكرام الضيف دليل على نقاء الطبع , ونبل الحس الإنساني , وعظمة النفس , وعلوها وارتفاع شأنها , وقد عرف العرب في جاهليتهم للضيف حقه , وكان من أبرزهم فعلاً وشعرًا وتعبيرًا في ذلك واحد من أبرز ساداتهم وشعرائهم هو حاتم الطائي , حيث يقول :

وإنّـــي لعَبْدُ الضّيفِ ما دام ثاويــًا

وما فيّ إلاّ تلكَ من شيمة ِ العَبدِ

وحيث يقول :

أًمَاوِيّ ! إنَّ  المـــالَ  غَــــــادٍ   ورائِــــحٌ

وَيَبْقَى  مِنَ  المالِ  الأَحَادِيثُ  وَالذِّكْرُ

أَمَاوِيّ !  إنِّـــي  لا  أَقُـــــولُ   لِسَائِـــــــلٍ

إذِا جَاءَ يوماً حَلَّ  فــــي  مالِنَــــــا  نَــزْرُ

      وكان عبد الملك بن مروان يقول : ما يسرني أن أحدا من العرب ولدني ممن لم يلدني إلا عروة بن الورد , حيث يقول :

أتهــــــزأ منــــــي أن سمنــــت وأن ترى

بوجهي شحوبَ الحقِّ، والحقُّ جاهــد

أُقسّـــــــمُ جسمـــــي فـــي جسوم كثيـرة

وأحســو قراح المـــــاء والمــــاء بــــــارد

       على أن إكرام الضيف لا يقف عند حدود ما يقدم له من طعام أو شراب , إنما يكون أول ما يكون في حسن الاستقبال , وطلاقة الوجه , وبشاشة القول , على شاكلة قول أبي الأسود الدؤلي :

وإذا طلبت إلى كريمٍ حاجةً

فلقـــــاؤه يكفيــــك والتسليــم

وقول زهير بن أبي سلمى :

تَرَاهُ إذا مـــــا جِئْتَـــــهُ مُتَهَلّــــلاً

كأنّكَ تُعطيهِ الذي أنتَ سائِلُهْ

وقول الآخر :

تَهَلّلَ قَبْـلَ تَسليمـــــي علَيْـــــهِ

وألْقَــــى مالَــــهُ قَبْـــلَ الوِسَـادِ

 وقد قالوا  : البِرُّ شيءٌ هيِّنُ , وجهٌ طليقٌ وكلامٌ ليِّنُ , فالسخي قريب من الله , قريب من الناس , قريب من الجنة , بعيد عن النار , والبخيل على العكس من ذلك , بعيد من الله , بعيد من الناس , بعيد عن الجنة , قريب من النار , ولله در الشافعي , حيث يقول :

تَسَتَّرْ بِالسَّخَــــاء فَكُــلُّ عَيْــــب

يغطيــــه كمـــا قيــلَ السَّخــــاءُ

ولا تـــــر للأعــــادي قــــط ذلا

فــإن شماتـــــــة الأعـــدا بـــلاء

ولا ترجُ السماحة ََ مـن بخيـــلٍ

فَمـــا فِـــي النَّارِ لِلظْمــآنِ مَـــاءُ

وَرِزْقُـكَ لَيْسَ يُنْقِصُـــهُ التَأَنِّــــي

وليسَ يزيدُ فــي الرزقِ العنـــاءُ

وَلا حُــــزْنٌ يَــــدُومُ وَلا سُـــرورٌ

ولا بـــؤسٌ عليـــكَ ولا رخـــاءُ

وَمَــنْ نَزَلَتْ بِسَاحَتِــهِ الْمَنَايَـــا

فــــلا أرضٌ تقيــــهِ ولا سمـــاءُ

       وإذا كان إكرام الإنسان لضيفه أمرًا شرعيًا وسمة إنسانية نبيلة , فإن إكرام ضيوف الوطن سواء أكانوا سياحًا أم مشاركين في أنشطة رياضية أو ثقافية أو علمية أو منتديات سياسية أو اجتماعية أم غير ذلك يُعد مطلبًا شرعيًا ووطنيًا معًا .

        فمن الجانب الشرعي نؤكد أن هؤلاء دخلوا بأمان وذمة وعهد وميثاق يتمثل فيما حصلوا عليه من تأشيرة أو تصريح دخول للبلد يضمن لهم الحفاظ على دمائهم وأعراضهم وأموالهم , ومن الجانب الوطني فإن تاريخنا الحضاري العريق وريادتنا العالمية ودورنا في نشر الأمن والسلم يقتضي منا أن نُرى العالم كله وبخاصة ضيوف مصر الوجه الحضاري الذي عرفت به مصر في ماضيها وحاضرها ومستقبلها بإذن الله تعالى.

المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى