وزير الأوقاف أ.د/ محمد مختار جمعة يكتب للأخبار : تكسير الأصنام وتحطيم التابوهات

أ.د/ محمد مختار جمعة وزير الأوقاف

أ.د/ محمد مختار جمعة
وزير الأوقاف

       بعد تفكير كبير في المعادل اللغوي والموضوعي للفكرة التي كانت تختلج في صدري وتدور في خلدي, ومن خلال استخدام نظريات الاستبدال والحقول الدلالية , وعبر توجيه للسيد رئيس مجلس الوزراء المهندس إبراهيم محلب مثّل محورًا هامًا وفكرة رئيسة في الموضوع الذي أكتبه, وهي عدم قهر الموظف الكبير للموظف الصغير أوالأصغر, وضرورة تقليص الفوارق الوظيفية وإفساح المجال أمام الإبداع والمبدعين في شتى المجالات, لأن وطننا لا يمكن أن يتقدم في ظل أي لون من ألوان القهر ، من خلال ذلك كله كان اختيار هذا العنوان كمعادل لغوي وموضوعي للفكرة .

      وإذا كانت القيادة السياسية متمثلة في رأسها الأعلى السيد رئيس الجمهورية والقيادة التنفيذية متمثلة في رئيسها السيد رئيس الوزراء تعمل على إزاحة أي لون من ألوان القهر ، فإن ذلك يعد أمرًا مشجعًا لجميع السلطات للسير في هذا الاتجاه بقوة .

       أما المغزى الدلالي الأهم لاختيار العنوان فهو أن هذه الأصنام التي ينظر إليها في عصرنا الحديث النظرة التي تستحقها من أنها لا تنفع ولا تضر, فكما قال رب العزة في كتابه العزيز : ” قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ ” (الشعراء :73) , وإذا كانوا لا يسمعون أصلا فكيف يتصور ممن لا يسمع أن يعي أو يرد ، فضلا عن أن ينفع أو يضر , فقد كانت هذه الأصنام يومًا ما محوطة بهالة من التبجيل والقداسة التي جعلت لها سيطرة نفسية وذهنية على عابديها والمتوسلين بها لدرجة عطلت عقول هؤلاء المقدسين لها ، كهذا الذي كان يصنع الصنم بيده فما أن ينتهي من صناعته حتى يتحول إلى عابد له , أو كهذا الذي صنع صنمًا من عجينة التمر فعبده , ثم جاع فأكله , ثم صنع غيره ، وأخيرا ثاب الرجل إلى رشده بعد أن أدرك عجز هذه الأصنام حتى في الدفاع عن نفسها .

        إن فكرة تكسير الأصنام أو تحطيم التابوهات تهدف في أساسها إلى نسف تأليه البشر , أو محاولة جعل بعضهم أنصاف آلهة , أو رفع تقديسهم إلى درجة الأنبياء ، ووجوب السمع والطاعة المطلقين دون مناقشة أو إعمال العقل .

         والخطورة الأكبر في هذه النظرية ربما لا تكون في بعض القيادات سياسية كانت أم تنفيذية أم دينية, إنما تكمن في بعض المحيطين ببعض أصحاب الجاه والنفوذ المستفيدين من جاههم أو نفوذهم , فهم يصنعون هذه الهالة ليس لصالح الشخص المراد تبجيله إنما لمصالحهم هم واستفاداتهم الخاصة من هذه الهالة التي يصنعونها حول الشخص الذي يفيدون من جاهه ، وفي سبيل ذلك يحاولون بكل السبل الحيلولة بينه وبين الناس, ليكون هم الواسطة الوحيدة بينه وبينهم .

        وإذا كان سيدنا عمر بن الخطاب قد كتب إلى عمرو بن العاص يقول له : متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا, وكان ذلك شأن القيادة العليا, فإن أحد الشعراء دخل على سيدنا عمر بن عبد العزيز فأنشده :

إن كنت تحفظ ما يليــك فإنمــــا

 عمـــال أرضـــك بالبـــلاد ذئـــاب

لن يستجيبوا للـــذي تدعـــو لـــه

 حتــــى تجلَّـد بالسيــوف رقــــــاب

         إن علاج ذلك إنما يكون بحركة المسئول الذاتية الدائبة بين الناس ، وعدم غلق أبوابه دونهم , فينبغي أن يكون بينهم, وأن يشعر أنه بهم, وأن من يحاولون غير ذلك إنما يعزلونه عن الواقع ، وأن يدرك كل مسئول الفرق الواضح بين آلية العمل الإداري وضرورة مراعاة تسلسله القيادي وبين الجوانب الإنسانية , فهناك من تطغى جوانبه الإنسانية على العمل فتأتي على حسابه سواء على حساب إتقانه أم على حساب إنجازه ، وهناك من تطغى جوانبه الإدارية على إنسانية فيبدو فظا غليظًا كريها غير مقبول ، فبين المهني والإنساني خيط جد دقيق , فينبغي أن نضع الإنساني في موضعه والمهني في موضعه ، ففرق كبير بين من تكسب قلبه وحبه ومن تحمله على العمل خوفا وكرها ، فالأول يعمل بهمة ونشاط في حضورك وغيبتك ، والثاني قد يعمل بهمة في حضورك ، غير أنه إن استطاع أن يقصم ظهرك في غيبتك أو أن يفسد ما قام به في حضورك لم يتورع ، ولا يظهر لعمله روح ولا طابع مميز ، بخلاف من يحب عمله وزملاءه وقياداته ، فيعطي من روحه ودمه وفكره وعقله قبل جهده وعرقه .

      ومن أهم الأصنام والتابوهات التي ينبغي أن تحطم تلك التابوهات التي تصنعها الجماعات الإرهابية ، حيث تعمل على صنع هالة وهمية من التقديس حول قياداتها وكتبها ومؤلفاتها ، وأقوال وآراء زعمائها وأمرائها، ليسلم أتباعها قيادهم سلسًا دون تفكير أو إعمال للعقل ، بحيث يصبح مجرد التفكير فيما يلقى إليهم من اوامر وتعليمات واحدا من المحرمات واعتداء على المقدس لديهم يجعل من هذا الذي أعمل عقله خارجًا على الجماعة يستحق اللوم والعقاب ، وربما استتابته أو استباحة دمه .

     إن الجماعات الظلامية تريد أن تتخذ من تأصيل الطاعة الشرعية العمياء لدى أعضائها والمنتسبين إليها وسيلة ومدخلا للطاعة التنظيمية العمياء ، بحيث يصبح الخروج على أي منهما كفرا صراحا أو ردة تستوجب الحد أو قطع العنق وإراقة الدم ، على أن الأديان جميعها ، والقيم والأخلاق ، والحضارة الإنسانية براء من كل هذا الجهل والزيف والضلال .

مقالات ذات صلة