وزير الأوقاف أ.د/ محمد مختار جمعة يكتب :
الانتخابات ودولة القانون

أ.د/ محمد مختار جمعة وزير الأوقاف

أ.د/ محمد مختار جمعة
وزير الأوقاف

          لا بديل ولا منجاة لوطن إلا بتطبيق القانون على الجميع ودون أي استثناءات ، وقد ضرب نبينا محمد (صلى الله عليه وسلم) أروع المثل في تحقيق العدالة وتطبيقها ، فعندما سرقت امرأة من بني مخزوم ذهبوا إلى أسامة بن زيد ليشفع لها عند رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لما كان أسامة يحظى به من مكانة عند رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ، فلما تحدث أسامة في الأمر واجهه النبي (صلى الله عليه وسلم)   بقوله : ” أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ؟ ” ثُمَّ قَامَ (صلى الله عليه وسلم) خَطِيبًا ، فَقَالَ : ” إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ مِنْ  قَبْلِكُمْ ، أَنَّهُمْ كَانُوا ، إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ ، أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ ، وَأَيْمُ اللَّهِ لَوْ سَرَقَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ لَقَطَعْتُ يَدَهَا ” ، وعندما تولى سيدنا أبو بكر (رضي الله عنه ) الخلافة قام في الناس خطيبًا : أيها الناس إني وليت عليكم ولست بخيركم ، فإن وجدتموني على خير فأعينوني ، وإن وجدتموني على شر فقوموني ، القوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه ، والضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ الحق له ، وهو نفس المضمون الذي أكده سيدنا عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) عندما تولى الخلافة أيضا .

           وإذا كان القانون ينص على سقف إنفاق لا ينبغي تجاوزه في الدعاية الانتخابية فيجب مراقبة ذلك بدقة وحسم وحزم وإنفاذ القانون على الجميع ، مع مراقبة أي تمويل يمكن أن يكون خارج إطار القانون أو حدود المألوف ، مع مراقبة ما قد يطرأ على بعض الأشخاص من إنفاق لا يمكن أن يتناسب مع مستوى دخولهم .

          أما الأمر الأهم فهو ضرورة التصدي وبحسم لمحاولات بعض القوى أو التيارات السياسية استخدام الشعارات الدينية أو دور العبادة أو ملحقاتها في الدعاية الانتخابية ، وقد أكدنا في وزارة الأوقاف أننا لن نسمح باستخدام المساجد وملحقاتها أو ساحاتها بأي شكل من أشكال التوظيف السياسي أو الدعاية الانتخابية لأي شخص أو حزب أو قائمة ، بل إننا سنتخذ الإجراءات القانونية وإبلاغ اللجنة العليا للانتخابات عن أي تجاوزات في هذا الشأن عبر ممثل الوزارة بلجنة متابعة الإعلام والدعاية المشكلة بمعرفتها ، غير أن هذا الأمر لن يؤتي أكله ، إلا إذا تم تفعيل قرارات اللجنة  العليا للانتخابات واللوائح المنظمة بشطب المتجاوزين .

          ومن تكافؤ الفرص أيضا ضرورة توفير المناخ الملائم ليدلي الناخب بصوته في أمن وأمان دون إجبار أو إكراه أو تهديد أو خوف أو وجل أو توجس أو تردد أو شراء للأصوات أو احتيال على هذا الشراء ، بأن يُمكَّن الناخب من إعطاء صوته لمن يخدم هذا الوطن ويُقدّر الظروف التي يمر بها والتحديات التي يواجهها ، كما يجب أيضا أن يميز الناخب بين من يحترم القانون ومن يضرب به عرض الحائط ، وأن يدرك أن من يخرق القانون ولا يحترمه اليوم لا ينتظر منه احترام القانون أو تطبيقه غدًا , حيث تقتضي المصلحة الوطنية تطبيقه ، إذ كيف نأتمن على تطبيق القانون من يعمل على انتهاكه لصالحه أو صالح حزبه أو صالح جماعته ، مع التأكيد على شطب أي مرشح أو تيار يثبت يقينا إكراهه للناس على التصويت لصالحه أو شراؤه لأصواتهم أو منعهم من الإدلاء بها .

             كما نريد أيضا احترام القانون واحترام الذات فيما بين المرشحين ، سواء أكانوا أفرادًا أم أحزابًا ، وأن نرقى إلى مستوى المنافسة الشريفة التي يحترم فيها المتنافسون بعضهم بعضا ، بعيدًا عن كل ألوان السب أو القذف أو التعرض لأسرة المرشح أو التشهير به أو الاعتداء عليه ، أو إتلاف دعايته ، وأن يركز كل مرشح على مشروعه لخدمة الوطن ورؤيته للنهوض به ، فبدل أن يكون التركيز على هدم الآخرين يجب أن تكون البرامج إيجابية قائمة على البنيان لا الهدم ، لأن من يهدم لا يصلح أن يكون بانيا ولا يرقى إلى ذلك ، أما من يشغل نفسه بالبناء فلن يفكر أبدا في الهدم ، فنفسك إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل.

     وعندما نتحدث عن القانون نؤكد على ضرورة أن يكون تطبيقه شاملا وعاما وليس انتقائيا ، متضمنا المساواة التامة بين المواطنين جميعا حتى في النظر إليهم في ساحة القضاء ، وهو  ما بينه سيدنا عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) في رسالته الرائعة التي سطرها وأرسلها إلى أبي موسى الأشعري في ذلك، حيث يقول : ” سَلامٌ عَلَيكَ ، أَمَّا بَعْدُ : فَإِنَّ الْقَضَاءَ فَرِيضَةٌ مُحْكَمَةٌ وَسُنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ فَافْهَمْ إِذَا أُدْلِيَ إِلَيْكَ ، فَإِنَّهُ لاَ يَنْفَعُ تَكَلُّمٌ بِحَقٍّ لاَ نَفَادَ لَهُ ، آسِ بَيْنَ النَّاسِ فِي وَجْهِك وَعَدْلِك وَمَجْلِسِك ؛ حتى لَا يَطْمَعَ شَرِيفٌ فِي حَيْفِك , وَلَا يَيْأَسَ ضَعِيفٌ مِنْ عَدْلِك  ، ولاَ يَمْنَعَكَ قَضَاءٌ قَضَيْتَهُ اليوم فراجعت نفسك فيه ، وهُديتَ فيه لرشدك ، أن ترجع إلى الحق ؛ فَإِنَّ الْحَقَّ قَدِيمٌ وَمُرَاجَعَةُ الْحَقِّ خَيْرٌ مِنَ التَّمَادِي في الْبَاطِلِ.

       فقد طلب الخليفة العادل من واليه أبي موسى الأشعري المساواة بين الخصوم حتى في النظرة والمجلس ، سواء في وضع الجلسة أم في مناداة الخصوم ، فلا ينادي واحدًا باسمه والآخر بلقبه وكنيته ، حتى لا يشعر أحد الخصوم بالتمييز ولو في الشكل والإجراءات ، فما بالكم بالمضمون والحكم ؟

على أنني أؤكد على أمرين هامين :

        أولهما : الإيجابية ، وأن يشعر الإنسان أن صوته مؤثر ، وأنه واجب وطني ، وأن عليه أن يسهم في اختيار من يراعي مصلحة هذا الوطن ، وأن نُري العالم كله مظهرنا الحضاريّ الحقيقي الذي أذهل العالم كله في ثورتين عظيمتين .

        الأمر الآخر : هو أن يشعر الإنسان أن صوته أمانة ، وأن واجبه أن يذهب في الاتجاه الصحيح ، في اتجاه من يخدم الوطن ، وألا يخدع بأي شعارات زائفة أو فضفاضة ، وأن يعمل بحاسته الوطنية على اختيار من لديه القدرة والرغبة على العبور بالوطن إلى بر الأمان ، بعيدًا عن كل التيارات والشعارات الإقصائية ، أو الانعزالية ، أو المذهبية ، أو الطائفية ، أو الاستعلائية ، وكفانا ما أصابنا من نزعات وجماعات الإقصاء والاستعلاء .

مقالات ذات صلة

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *