همـــوم اقتصـاديـــة

أ.د/ محمد مختار جمعة وزير الأوقاف

أ.د/ محمد مختار جمعة
وزير الأوقاف

     لاشك أن المال والاقتصاد عصب الحياة وقوامها ، يقول الشاعر:

بالعلم والمال يبنيِ الناس ملكهم

لم يُـبنَ ملك على جهل وإقلالِ

     فالذي لا يملك طعامه وشرابه وسلاحه لا يملك كلمته ، ورحم الله فضيلة الشيخ محمد متولي الشعراوي حيث كان يردد : لن تكون كلمتنا من رأسنا حتى تكون لقمتنا من فأسنا.

     والإسلام دين العمل ، يقول نبينا ( صلى الله عليه وسلم ) : “من أمسَى كالًّا – أي متعبًا – من عملِ يدِه أمسَى مغفورًا له “، ولما أمسك (صلي الله عليه وسلم) بيد أحد أصحابه فوجدها خشنة من أثر العمل قال: “هذه يد يحبها الله ورسوله ” , وكان الإمام علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) يقول :

لحمل الصخر من قمم الجبالِ

أحب إليَّ من منن الرجالِ

يقول الناس لي في الكسب عيبٌ

   فقلتُ العيب في ذلّ السؤالِ

     والاقتصادات كلها تقوم على أسس من أهمها زيادة الإنتاج وترشيد الاستهلاك ، وهو ما أشار  إليه النص القرآني في قصة يوسف (عليه السلام) : ” قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّا تَأْكُلُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّا تُحْصِنُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ ” ، فقوله سبحانه وتعالى على لسان يوسف (عليه السلام) في قوله تعالى: ” تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً ” أي متتابعة بجد ونشاط في إشارة واضحة إلى العمل والإنتاج والاجتهاد في ذلك ، وقوله : ” إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّا تَأْكُلُونَ ” دعوة واضحة إلى ترشيد الاستهلاك ، مع التأكيد على أهمية التخطيط والادخار ، بوضع خطة خمس عشرية تتكون من سبع سنوات أولى هي مناط الإنتاج تتبعها سبع سنوات أخرى من الجفاف ثم يأتي العام الخامس عشر بالزرع والنماء والحصاد ، فوُضِعَت الخطة لهذا وذاك ، في الزراعة والإنتاج ، وترشيد الإنفاق والاستهلاك .

    ومع التطور الاقتصادي الهائل الذي يشهده عالمنا اليوم دخلت عوامل عديدة لتشكل روافد هامة للاقتصاد القومي والدولي والعالمي ، وتنوعت مصادر الدخل ، وكذلك عوامل التأثير في الاقتصاد ، وأكتفي في هذا المقال بالحديث عن أمر  واحد من الأمور التي تشكل خطرًا داهمًا على الاقتصاد ، وتؤثر على الحياة الاجتماعية والمجتمعية ، وهو داء الاحتكار والاستغلال ، ويعني حبس السلعة أو محاولة الاستحواذ عليها في السوق بقصد رفع أسعارها وزيادة تحقيق الأرباح على حساب الناس والمجتمع وربما حتى على حساب الأمن القومي للبلاد .

     وقد نهى (صلى الله عليه وسلم) عن كل ألوان الاحتكار و كنز السلع لرفع ثمنها على الناس، فقال (صلى الله عليه وسلم) : « مَنِ احْتَكَرَ سِلعَةً يُرِيدُ أَنْ يُغَالِىَ بِهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ خَاطِئٌ وَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ ذِمَّةُ اللَّهِ» ، وفي ذلك ما يؤكد حرمة استغلال حوائج الناس أو التلاعب بأقواتهم وحاجاتهم الأساسية التي يحتاجون إليها ، سواء في طعامهم أم في غيره ، لأن ذلك يُعدّ كسبًا خبيثًا محرّما ، يترتب عليه ظلم وعدوان وأكل لأموال الناس بالباطل ، وهذا ما حذَّرنا منها ديننا الحنيف ، فقال تعالى :{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا } [النساء: 29، 30]. وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رضي الله عنه) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه وسلم ): (كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ، دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ) (صحيح مسلم).

     ولا شك أن المحتكر النهم لا دين له ولا خلق ولا وطنية ، فالدين يقتضي التراحم وعدم استغلال حاجات الناس ، يقول نبينا (صلى الله عليه وسلم) : ” مَنْ دَخَلَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَسْعَارِ الْمُسْلِمِينَ لِيُغْلِيَهُ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّ حَقًّا عَلَى اللهِ أَنْ يُقْعِدَهُ بِعُظْمٍ مِنَ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ “(رواه الإمام أحمد) ، ويقول (صلى الله عليه وسلم) : ” المحتكر ملعون” (رواه ابن ماجه) ، وذلك لأنه يستجلب سخط الله (عز وجل) وسخط الناس ودعاءهم عليه ، ونقمتهم وبغضهم له.

      ومن الجانب الوطني والأخلاقي والإنساني فإن المحتكر فاقد لذلك كله ، غلبته أنانيته ونقيصته حيث جعلهما فوق كل اعتبار .

      ويجب العمل على وضع الآليات التي تكسر الاحتكار في كل مقومات الاقتصاد ، وأظن أن الشهور القليلة المقبلة ستشهد طفرة كبيرة في إيجاد آليات متعددة لضرب أوكار المحتكرين ، والعمل الجاد على رفع المعاناة عن الناس وبخاصة الطبقات الأكثر فقرًا والأشد احتياجًا ، وسيلعن التاريخ كل من تاجر بأقوات الناس ومقومات حياتهم ، وبنى ثراءه على حساب عنتهم ومشقتهم، ” وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ” [الزمر: 26] .

مقالات ذات صلة

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *