مكــــــارم الأخــــــلاق

أ.د/ محمد مختار جمعة وزير الأوقاف

أ.د/ محمد مختار جمعة
وزير الأوقاف

     لا شك أن مكارم الأخلاق من القواسم المشتركة بين الأديان السماوية ، يقول نبينا (صلى الله عليه وسلم) : ” إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ الْأُولَى إِذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ ” وقد ذكر القرآن الكريم في سورة الأنعام عدة وصايا قال عنها سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما إنها من الآيات المحكمات التي لم تنسخ في أي ملة من الملل ، وذلك حيث يقول الحق سبحانه :” قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ *‏ وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللّهِ أَوْفُواْ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ” .

      فالأخلاق والقيم الإنسانية التي تكون أساساً  للتعايش  لم تختلف في أي شريعة من الشرائع ، وأروني أي شريعة  من الشرائع  أباحت قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، أو أباحت عقوق الوالدين ، أو أكل    السحت ، أو أكل مال اليتيم ، أو أكل حق العامل أو الأجير؟!

   وأروني أي شريعة أباحت الكذب ، أو الغدر، أو الخيانة، أو خُلف العهد، أو مقابلة الحسنة بالسيئة؟!

      بل على العكس فإن جميع الشرائع السماوية قد اتفقت وأجمعت على هذه القيم الإنسانية السامية، من خرج عليها فإنه لم يخرج على مقتضى الأديان فحسب، وإنما يخرج على مقتضى الإنسانية وينسلخ من آدميته ومن الفطرة السليمة التي فطر الله الناس عليها..

      ثم جاء نبينا (صلى الله عليه وسلم ) ليرسخ مكارم الأخلاق تنظيرًا وتطبيقًا ، حيث لخص (صلى الله عليه وسلم) هدف رسالته في قوله (صلى الله عليه وسلم ) :” إنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ ” وسئل (صلى الله عليه وسلم) عَنِ الْبِرِّ وَالْإِثْمِ؟ فقَالَ: «الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ ، وسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) عَنْ أَكْثَرِ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ الجَنَّةَ، فَقَالَ : ” تَقْوَى اللَّهِ وَحُسْنُ الخُلُقِ” ، وعَنْ عَائِشَةَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْها) قَالَتْ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يَقُولُ: “إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَاتِ قَائِمِ اللَّيْلِ صَائِمِ النَّهَارِ” ، وقال (صلى الله عليه وسلم ) ” إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ القِيَامَةِ أَحَاسِنَكُمْ أَخْلَاقًا ، وَإِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِلَيَّ وَأَبْعَدَكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ القِيَامَةِ الثَّرْثَارُونَ وَالمُتَشَدِّقُونَ وَالمُتَفَيْهِقُونَ”، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ عَلِمْنَا الثَّرْثارُونَ وَالمُتَشَدِّقُونَ فَمَا المُتَفَيْهِقُونَ؟ قَالَ: “المُتَكَبِّرُونَ” .

      وكيف لا يكون كذلك وهو الذي أثنى ربه عز وجل على خلقه فقال : ” وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ”  ، ولما سئلت السيدة عائشة (رضي الله عنها) عن أخلاقه فقالت : ” كان خلقه القرآن ” أي أنه (صلى الله عليه وسلم ) كان يمتثل لكل أخلاق القرآن ومعانيه في كل حركاته وسكناته ، ولما عاد (صلى الله عليه وسلم ) من غار حراء في أول نزول الوحي مرتجفًا قالت له السيدة خديجة بنت خويلد (رضي الله عنها ) :” أَبْشِرْ فَوَاللَّهِ لاَ يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا فَوَاللَّهِ إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ وَتَحْمِلُ الْكَلَّ وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ وَتَقْرِي الضَّيْفَ وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الدهر” .

      فالإسلام قائم على الرحمة ، والعدل ، والصدق ،والأمانة ، والوفاء ، ولا تؤتى العبادات في الإسلام ثمرتها المرجوة إلا إذا انطبع أثرها وظهر في سلوك صاحبها ، فمع أهمية الصلاة والصيام والزكاة والحج لم يقل نبينا (صلى الله عليه وسلم ) بعثت لأعلم الناس الصلاة ولا الصيام ولا الحج ، مع أهمية كل هذه العبادات ، ولكن قال : ” بعثت لأتمم مكارم الأخلاق “.

     فمن لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له ، يقول سبحانه : ” وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ” وكذلك الزكاة والحج والصيام ، يقول نبينا (صلى الله عليه وسلم ) : ” فَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلاَ يَرْفُثْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَسْخَبْ فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّى امْرُؤٌ صَائِمٌ” ، ويقول الحق سبحانه :” الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ ” ، فكل العبادات تأخذ بيد صاحبها الذي يؤديها بحقها مخلص النية  فيها لله عز وجل إلى السلوك القويم.

      وقد اعتبر الإسلام من يخرج عن حميد الأخلاق منافقا بيِّن النفاق ، فقال نبينا (صلى الله عليه وسلم ) : ” آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ ” ، وقال (صلى الله عليه وسلم ) : ” إِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَصْدُقُ حَتَّى يَكُونَ صِدِّيقًا وَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ كَذَّابًا”  ، وقال (صلى الله عليه وسلم) : “مَنْ لا يَرْحَمُ لا يُرْحَمُ” ، وقال (صلى الله عليه وسلم ) : ” لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ، وَلَا دِينَ لِمَنْ لَا عَهْدَ لَهُ” ، وقال (صلى الله عليه وسلم ) :” التَّاجِرُ الصَّدُوقُ الأَمِينُ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ ” ، وقال (صلى الله عليه وسلم ) :” مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا”.

      هذا هو الإسلام ، وهذه هي أخلاقه العظيمة ، التي إن تحلينا بها حققنا السعادة  في الدارين الدنيا والآخرة ، وإن حدنا عنها كان البوار والخسار .

مقالات ذات صلة

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *