محكمة القضاء الإداري بالإسكندرية تؤكد :
وزارة الأوقاف هي أول وزارة تأخذ زمام المبادرة
وتسعى إلى وضع النص الدستوري بحظر المحاباة
أو الوساطة في التعيين موضع التنفيذ الفعلي

المستشار / محمد عبد الوهاب خفاجى

المستشار / محمد عبد الوهاب خفاجى

     أصدرت محكمة القضاء الإداري بالإسكندرية برئاسة السيد المستشار / محمد عبد الوهاب خفاجي حكمًا تاريخيًا بشأن قصر العمالة بالمساجد على نظام المسابقة , حيث أشادت بقرار وزير الأوقاف أ.د/ محمد مختار جمعة رقم 152 لسنة 2014م الصادر في أول يونيه 2014م بشأن شغل الوظائف والعمالة بالمساجد والزوايا عن طريق المسابقة , وأيدته , وجاء في ثنايا حكمها أن وزارة الأوقاف هي أول وزارة تأخذ زمام المبادرة وتسعى إلى وضع النص الدستوري بحظر المحاباة أو الوساطة في التعيين موضع التنفيذ الفعلي  .

      وذكر الحكم أن المُشرِّع الدستوري جعل الوظائف العامة حق للمواطنين على أساس الكفاءة ، وحظر المحاباة أو الوساطة ، انبثاقا من أن الوظيفة العامة تكليف للقائمين بها لخدمة الشعب وتكفل الدولة حقوقهم وحمايتهم ، وقيامهم بأداء واجباتهم في رعاية مصالح الشعب وهذا الحق الدستوري يرتبط ارتباطا وثيقا بالتزام الدولة بتحقيق تكافؤ الفرص بين جميع المواطنين دون تمييز وما من ريب في أن هذا النص الدستوري الواجب النفاذ في كافة الوظائف العامة بالدولة إنما جاء تعبيرًا عما عاناه الشعب في حقب زمنية ماضية من ظلم وظلام تمكنت فيها المحسوبية والمحاباة والرشوة في تسعير الوظائف مما أفقد تلك الوظائف العامة هيبتها في نظر المواطنين وحرمان الكفاءات من توليها وكما عبرت وثيقة الدستور المصري المعدل لعام 2014م– وهي تكون مع نصوص الدستور كُلاًّ لا ينقسم – بقولها ” نكتب دستورا نغلق به الباب أمام أي فساد وأي استبداد ونعالج فيه جراح الماضي من زمن الفلاح الفصيح القديم وحتى ضحايا الإهمال وشهداء الثورة في زماننا ونرفع الظلم عن شعبنا الذى عانى طويلا ” .

      وأكدت المحكمة أنه نظرًا لما يحدث على مستوى العالم والأمة العربية والإسلامية ومصر قلبها النابض من الخلط بين الدين والسياسة ومحاولة أعداء الدين للسيطرة على ثروات المسلمين والمال عامل أساسي فيه واستغلال الدين في غير مقاصده مما نجم عنه الإرهاب الذى تتحمل مصر مجابهته بكل إصرار وتضحية فإن الدولة إدراكا منها لرسالتها في دعم التوجيه الديني الصحيح في البلاد على وجه محكم , وتأكيدا لمسئولياتها في التعليم والارشاد وما يتطلبه ذلك من وضع مبادئ عامة لجميع المساجد والزوايا في المدن والقرى ،فإن أمر إشراف وزارة الأوقاف على المساجد والزوايا لا يجب أن يقف عند حد ضمها إلى الوزارة بل يمتد الى كل شئ يخص تلك المساجد والزوايا ومن أهمها السيطرة على تعيين العاملين بها  وفقا لمبادئ الدستور فى اختيار الأكفأ وبما يحفظ للتوجيه الديني أثره ، ويبقى للمساجد الثقة في رسالتها وللقضاء على شتى البدع والخرافات التي تمس كيان الوطن واستقراره , خصوصاً وأن من يعمل بالمساجد إنما يعمل في أقدس بيوت على الأرض وهى بيوت الله مما يقتضى منح وزارة الأوقاف زمام السيطرة عليها في كل ما يخص كافة جوانبها

       كما أكدت المحكمة على أنه قد باتت حقيقة ناصعة أن انتشار مظاهر تعارض المصالح والواسطة والمحسوبية فى شغل الوظائف العامة – وهو الأمر الذى حظره الدستور ونهى عنه – يعد من مؤشرات الفساد, لأنه يتعارض من مبدأ المساواة في حقوق المواطنة , كما يتعارض مع مبدأ تكافؤ الفرص فيما بينهم , إذ يجب كفالة حق  المواطنين فى التنافس الحر على الوظائف العامة التي لها مؤهلاتها ومقوماتها حتى لا تكون عبئا على الجهاز الإداري ، وهذا ما يقتضيه الصالح العام وإقرار قيم العدالة وهو حق صار أمرًا ضروريا  في الأنظمة الديمقراطية الحديثة والقول بغير ذلك يؤدى إلى فقدان  ثقة جمهور المواطنين  فى نزاهة الاجهزة الحكومية  وفى مدى تمثيلها لمصالح الكافة  بدون تمييز , ذلك أن بناء جسور الثقة بين المواطنين وهذه الاجهزة الحكومية هو المدخل الحقيقي لممارسة حقوق المواطنة والحق في التنمية والتحول الديموقراطي  ومحاربة الفساد بكافة أشكاله وألوانه .

      وذكرت المحكمةأن ظاهرة المحاباة أو الوساطة فى شغل الوظائف العامة تعد من الأمراض المجتمعية الخطيرة التي تؤثر في السير الطبيعي للحياة على هذه الأرض الطيبة , وبات يقينا لدى أكثر الناس أنه لا فائدة ترجى في المصالح  حكومية كانت أم أهلية إلا بوجود المحاباة أو الوساطة ، حتى تحولت الحياة إلى ما يشبه الارتهان للوساطة لإنجاز المعاملات وقضاء الحاجات والوصول إلى الغايات , حيث يعانى الأكفاء من الفقراء والمهمشين من أبناء الشعب من عدم القدرة على شغل تلك الوظائف والتي تكون في الأعم الأغلب من الحالات لصالح الأغنياء والأقوياء ، وذلك يعنى أن الكفاءات الفقيرة تدور في حلقة مفرغة من الحرمان ويصعب عليهم الخروج من حالة الفقر والبطالة والمعاناة التي يرون فيها بأعينهم  حلول من لا يستحق محل المستحقين فيحدث الخلل ، فلا يسند العمل إلى الماهر أو المتخصص أو الكفء ، وإنما يسند للضعفاء مهنيًّا وغير المتخصصين ليفسدوه بدلاً من أن يصلحوه ، أو على الأقل تؤدَّى الأعمال بلا كفاءة وفى هذا لا شك إفساد للنمط السليم للحياة , مما يؤدى إلى تخلف فى الصناعات والمهارات والكفاءات ، وتتبدل التركيبة السليمة لمنظومة القيم في المجتمع ، فيعانى المتخصصون من البطالة ، ويرفل العالة الجهال في نعيم الوظائف والأعمال.

       واستطردت المحكمة أنه مما لا مرية فيه أن هناك مردودا سلبيا على المجتمع من جراء استخدام الوساطة أو المحاباة في تولى الوظائف من أهم مخاطرها فقدان الثقة في النظام الاجتماعي السياسي ، وبالتالي فقدان شعور المواطنة والانتماء القائم على علاقة تعاقدية بين الفرد والدولة التي تلقى على الطرفين مسئوليات وواجبات وينتج عنها حقوق وكذلك هجرة العقول المصرية والكفاءات التي تفقد الأمل في الحصول على موقع يتلاءم مع قدراتها ، مما يدفعها للبحث عن فرص عمل ونجاح فى الخارج يساهم في إفراغ الأمة المصرية  من العقول الواعدة مما يؤدى إلى استمرار التخلف عن ركب الحضارة والتقدم .

         من جهتها أشادت جميع قطاعات وزارة الأوقاف بهذا القرار ، وتؤكد أنه يضع الأمور في نصابها الصحيح ، حيث إنه يحقق تكافؤ الفرص بين المواطنين جميعًا ، ويؤدي إلى اختيار الأكفأ والأفضل لخدمة بيوت الله (عز وجل) ، ويسهم في القضاء على كثير من ألوان الفساد والمجاملة التي كانت تتم في ضم كثير من الزوايا التي لا تصلح لإقامة الشعائر ولا تنطبق عليها شروط المسجدية الصحيحة ، حيث كان يتم ضمها لأجل التعيين فقط ، مما جرأ بعض الناس على الاعتداء بالبناء على الأراضي الزراعية وأملاك الدولة وحرم السكك الحديدية والطرق وغيرها للحصول على التعيين بطرق غير شرعية , مما جعل الوزارة تؤكد أن من يبني مسجدًا إنما يبنيه لله (عز وجل) , كما يجب أن يكون البناء مطابقًا للمواصفات الصحيحة وعلى أرض مخصصة لذلك وخالصة الملكية وليست أرضًا مغتصبة وتحت إشراف وزارة الأوقاف , ثم يأتي التعيين عن طريق المسابقة العلنية بضوابط صحيحة تحقق صالح العمل وتكافؤ الفرص بين أبناء الوطن جميعًا .

         كما أكدت الوزارة أن هذا الحكم يُسهم في القضاء على الفكر المتطرف ، لأن هذه الزوايا التي كانت تُبنى لأجل التعيين سرعان ما كان يسيطر عليها أو على بعضها المتشددون ، وهو ما أدى بالوزارة إلى حظر إقامة الجمعة بها إلا للضرورة القصوى .

مقالات ذات صلة

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *