كلمة معالي وزير الأوقاف فى الجلسة الافتتاحية
لمؤتمر المجلس الأعلى للشئون الاسلامية
“رؤية الأئمة والدعاة لتجديد الخطاب الدينى
وتفكيك الفكر المتطرف “

بسم الله الرحمن الرحيم

10

         الحمد لله رب العالمين , والصلاة والسلام على خاتم أنبيائه ورسله سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم) وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه بإحسان إلى يوم الدين.

فضيلةَ الإمامِ الأكبر أ.د / أحمد الطيب شيخِ الأزهر

السيد الأستاذ / محمد بدر محافظ الأقصر

السادة الوزراء والعلماء والمفتون

الجمع الكريم

        يسعدني أن أرحب بكم جميعا في العيد الفضي لمؤتمر المجلس الأعلى للشئون الإسلامية الذي يشرف برعاية السيد الرئيس / عبد الفتاح السيسي رئيس الجمهورية ، ويطيب لي أن أشكر سيادته على تفضله بهذه الرعاية الكريمة للمؤتمر .

وبعد :

          فبداية نعبر وبحسم عن إدانتنا واستنكارنا الشديد للعملية الإرهابية التي تعرضت لها العاصمة الفرنسية باريس مساء أمس الجمعة ، مؤكدين أن الإرهاب لا دين له ، ولا وطن له ، وأنه شر كله ، مؤملين أن يسهم مؤتمرنا هذا في وضع حلول لاجتثاث هذا الإرهاب الأسود الغاشم من جذوره .

          أما بالنسبة لموضوع مؤتمرنا ، فلا شك أن قضية الخطاب الدينى هى قضيتنا الأولى ، فهى قضية حياة لمن يريد أن يجلي الغبار عن الوجه الحضارى لديننا الإسلامى الوسطى السمح ، ولمن يريد أن يبني وطنا أو أمة على حضارة سمحةٍ مستقيمةٍ لا نتوءَ فيها ولا اعوجاج ، ذلك لأن ما أصاب الخطابَ الدينى على أيدي أعدائه وأيدي الجهلة والمستأجرين وغير المؤهلين وغير المتخصصين من المحسوبين عليه من بعض أبنائه من الخلل والعطب فى الفهم والتفكير يحتاج إلى جهود مضنية لإصلاحه  وإزالته.

         وبما أن تصحيحَ الفكر والثقافة وتصويبَ مسار المعتقد الخاطىء ليس بالأمر الهين أو اليسير ، إنما هو أمر تراكمي من جهة ، وتتحكم فيه عوامل وعناصر متعددة من جهة أخرى ، فإن الأمر يحتاج إلى جهد دءوب ، وإلى عزيمة قوية وعلو همة لاختصار الزمن المطلوب ، وتقريب المسافات البعيدة ، وردم الفجوة بين الواقع المؤلم والطموح الذى نسعى إليه .

          مع تأكيدنا أن أحدًا لا يمكن أن يعمل وحده أو أن ينجح وحده أو أن يقضى على هذا التطرف وحده ، وأن قضيتنا هى أوسع من تجديد الخطاب الدينى ، إذ نهدف إلى صياغة جديدة للفكر العربى والإسلامى من خلال تجديد الخطاب : الدينى ، والفكرى ، والعلمي ، والعقلى ، والثقافى ، والاجتماعى ، والإعلامى ، لذا كانت الدعوة إلى اجتماع هذه النخبة المتميزة من العلماء والمفتين والأدباء والمثقفين والإعلاميين من مشاربَ متعددةٍ ، لأن إعادة صياغة العقل العربي أكبرُ من أي مؤسسة أو نخبة بعينها .

        على أن قضية الخطاب الدينى إنما ترتبط ارتباطا وثيقا بتفكيك الفكر المتطرف وكشف زيغه وبطلانه ، وضلاله وإضلاله ، وفساده وإفساده ، مع كشف عمالة وخيانة وضلال معتنقيه ، لنحصن أبناءنا وشبابنا ومجتمعاتِنا من شر هؤلاء جميعا ، وهو ما يعالجه المحوران الأول والثاني من مؤتمرنا هذا بإذن الله تعالى .

          وقد تم اختيارُ مدينةِ الأقصر التي تلفها الحضارة من كل جانب ، ويكاد كلُّ حجرٍ منها ينطق لغة تشهد بعمق هذه الحضارة ، مكانا لانعقاد المؤتمر ، للتأكيد على تعايش الإسلام مع الحضارات والمعتقدات المختلفة ، حيث تتعانق المساجد والمعابد والمعالم الأثرية والحضارية ، وهو ما أردنا أن نرسل من خلاله رسالة توضح نظرة الإسلام السمحة تجاه جميع الحضارات ، وحرصه على استيعابها والتعايش معها ، بما يحمل ردا عمليا على التنظيمات الإرهابية التي تقوم بنهب ممنهج للثمين والنفيس من الآثار ، وبخاصة في سوريا والعراق ، ثم تقوم بتدمير ما تبقى من حطامها , لتخفي جرائم النهب التي تقوم بها ، مع تأكيدنا أن أصحاب النبي (صلى الله عليه وسلم) لم يهدموا أثرًا ، ولم يطمسوا معلما حضاريا واحدا في البلاد التي فتحوها ، ولم يثبت في تاريخ الإسلام أن الصحابة حطموا تمثالا واحدا سوى الأصنام التي كانت تُعبَدُ حول الكعبة يوم فتح مكة ، ذلك أنها كانت قد وضعت في هذا المكان لتعبد ، وهذه العبادة هي علة تحطيمها ، أما في جميع البلاد التي فتحوها فقد انتفى التعرض لها لانتفاء العلة التي أدت إلى تحطيمها عند الكعبة ، ولم يقل مسلم واحد الآن بعبادة تمثال أو أثر , بل إن قيام مسجدِ سيدي أبي الحجاج الأقصري هنا بمدينة الأقصر على أعمدة معبد الأقصر لخير دليل على عظمة حضارتنا الإسلامية وتسامحها وسعة أفقها , وحسن استيعابها للحضارات الأخرى .

        كما أننا نريد أن نرسل رسالة من هنا من مدينة الأقصر للعالم كله عن مدى الأمن والأمان الذي تنعم بهما مصرنا الغالية في ظل القيادة الحكيمة للسيد الرئيس / عبد الفتاح السيسي رئيس الجمهورية الذي نؤكد دعمنا الكامل لسيادته ، ووقوفنا صفا واحدا خلفه وخلف قواتنا المسلحة الباسلة التي هي قرة عين الصديق ومكمن غيظ العدا .

         وأطمئن حضراتكم جميعًا أننا هنا في مصرَ القلبِ النابضِ للعالمين العربي والإسلامي , بإذن الله تعالى لن نركع ولن نستسلم لقوى الشر , ولن تزيدنا المحن إلا قوة و صلابة , فالضربة التي لا تقصم ظهرك تقويه , ولن نتراجع قيد أنملة أو ما دونها في مواجهة الإرهاب والدفاع عن أوطاننا وقضايانا العادلة وفي مقدمتها حقُّ الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته على حدود ما قبل الرابع من حزيران 1967م وعاصمتُها القدسُ الشريف ، معتمدين على الله (عز وجل) ، موقنين بأن خزائن الله ملأى لا تنفد أبدا ، وأن نصره آت وقريب ، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

والله من وراء القصد , وهو حسبنا ونعم الوكيل

2156

مقالات ذات صلة

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *