في ذكرى مولد الهادي البشير

أ.د/محمد مختار جمعة

وزير الأوقاف

 

لقد أرسل الله عزوجل نبينا محمدًا (صلى الله عليه وسلم) رحمة للعالمين فقال : {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} (الأنبياء107) ولم يقل : أرسلناك رحمة للمسلمين أو للمؤمنين , وإنما جعله رحمة للناس كافة  , زكّى ربُّه لسانَه

فقال : { وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى } وزكّى فؤاده فقال :{ مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى }, وزكى بصره , فقال : { مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى} , وزكى عقله فقال : {مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى }, وزكى معلمه فقال :{عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى} ، وزكّى خلقه فقال : { وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ } , وزكّاه كلَّه فقال : {  لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا  } , ويقول سيدنا حسان بن ثابت (رضي الله عنه ) :

وضم الإله اسم النبي إلى اسمه إذا قال في الخمس المؤذن أشهد

وشـــق لـه مـن اسـمه ليجــله      فذو العرش محمود وهذا محمد

وقد كان خُلُقه (صلى الله عليه وسلم ) القرآن , بل كان صلى الله عليه وسلم كما وصفته السيدة عائشة (رضي الله عنها) حين قالت : كان (صلى الله عليه وسلم) قرآنًا يمشي على الأرض , فقد كانت حياته (صلى الله عليه وسلم ) وحركاته وسكناته تطبيقًا عمليًا لأحكام القرآن الكريم وتعاليمه , إذ  كان (صلى الله عليه وسلم ) يعطي من حرمه, ويصل من قطعه , ويعفو عمن ظلمه ،  ويحسن إلى من أساء إليه , يمتثل لقوله تعالى  : { ولَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ  , وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ } (فصلت34 – 35) , وقد تجلى ذلك في مواقف عديدة منها  :   ما كان منه تجاه أهل مكة يوم الفتح , وقد تحمّل منهم من الأذى ما تحمّل , فلمّا أتم الله عليه النعمة وأيده بنصر من عنده , ودخل مكة فاتحًا منتصرًا , خاطبهم بقولته الشهيرة : يا أهل مكة ما تظنون أني فاعل بكم , قالوا : أخ كريم وابن أخ كريم , فقال (صلى الله عليه وسلم) :  ” اذهبوا فأنتم الطلقاء ”  .

ولمّا خرج (صلى الله عليه وسلم ) بدعوته إلى  الطائف بعد أن ضاق به السبيل بمكة رجاء أن يجد في الطائف من يؤمن به أو حتى  يستمع إلى دعوته أو يجد عندهم نصيرًا مما لحق به من أذى أهل مكة , فكانوا أشد وأقسى , وسلّطوا عليه عبيدهم وصبيانهم يرمونه (صلى الله عليه وسلم ) بالحجارة حتى سال الدم من قدميه الشريفتين , فتوجه إلى ربه عزوجل بكلماته المشهورة  بدعائه واستغاثته  : اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي , وقلة حيلتي وهواني على الناس , اللهم أنت ربي ورب المستضعفين إلى من تكلني , إلى غريب يتجهمني أم إلى عدوٍ ملكته أمري , اللهم إن لم يكن بك عليّ غضب فلا أبالي , ولكن عافيتك أوسع لي  ” ,  وهنا  نزل عليه جبريل عليه السلام يقول :يا محمد لو شئت لأطبقنا عليهم الجبلين أو أسقطنا عليهم السماء كسفًا , فقال صلى الله عليه وسلم  : لا يا أخي يا جبريل  , ولكن أقول : اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون , فقال جبريل (عليه السلام) : صدق من سمّاك الرءووف الرحيم  ” , وذلك حيث يقول الحق سبحانه وتعالى: { لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ }(التوبة 128) .

وعندما دخل (صلى الله عليه وسلم ) على خديجة مرتجفًا في أول نزول الوحي , قالت له : يا بن أخي والله لن يخزيك الله أبدًا ، إنك لتصل الرحم , وتقري الضيف , وتحمل الكَلّ , وتنصر المظلوم , وتُعين على نوائب الدهر .

ومن مظاهر رحمته صلى الله عليه وسلم ما كان منه عليه الصلاة والسلام حين قرأ قول الله تعالى على لسان عيسى عليه السلام :{ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ }(المائدة118) وقوله تعالى على لسان إبراهيم عليه السلام : { فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}  (إبراهيم36)  فخرّ ( صلى الله عليه وسلم ) ساجدًا وبكى ، فأرسل الله عز وجل جبريل عليه السلام وهو سبحانه وتعالى أعلم بحال نبيه فقال : يا جبريل اذهب إلى محمد ( صلى الله عليه وسلم ) وقل له : السلام يقرئك السلام , ويقول لك : ما يبكيك يا محمد ؟  فقال : (صلى الله عليه وسلم ) : يا رب أمتي أمتي ، فعاد جبريل إلى ربه فأخبره بما كان وهو سبحانه وتعالى أعلم بحال نبيه ( صلى الله عليه وسلم ) , فقال المولى عز وجل لجبريل عليه السلام :    اذهب إلى محمد فقل له يا محمد : إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوؤك  ,   وفي حديث الشفاعة أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) يسجد تحت عرش الرحمن ويقول : ” يا رب أمتي أمتي ، فيقول: رب العزة يا محمد ارفع رأسك ، واشفَعْ تُشَفَّع وسَلْ تُعطَ،  أنت تقول : أمتي أمتي ، وأنا أقول : رحمتي رحمتي ، ولسوف يعطيك ربك فترضى  ” .

وقد دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الرحمة في كل مظاهرها ، فقال – صلى الله عليه وسلم- : ” إن الرحمة لا تنزع إلا من شقي” ، وقال – صلى الله عليه وسلم – : “الراحمون يرحمهم الله ” ، وقال صلى الله عليه وسلم: ” إنّ الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ، ولا ينزع من شيئ إلا شانه ” .

فما أحوجنا أن نتأسى في أخلاقنا ، وفي تصرفاتنا,  وفي حركاتنا , وفي سكناتنا ,  بسيد الخلق محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ,  ونعمل على نبذ كل مظاهر العنف والتشدد من حياتنا ، لأن نبينا (صلى الله عليه وسلم ) دعا إلى اليسر ونهى عن كل ألوان التشدد ,  فقال ( صلى الله عليه وسلم ) :” إن الدين يسر ، ولن يشادّ الدين أحد إلا غلبه ” ، وقال ( صلى الله عليه وسلم ) :” يسروا ولا تعسّروا ، وبشّروا ولا تنفّروا ”  .

وأهل العلم جميعًا على أن الفقه هو التيسير بدليل ، ولم يقل أحد من أهل العلم والفقه  ممن يعتد برأيه في القديم أو في الحديث إن الفقه هو التشدد لا بدليل ولا بغير دليل ، ويقول الحق سبحانه مخاطبًا نبينا ( صلى الله عليه وسلم ) :{فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ } (آل عمران159) ، ويقول – سبحانه وتعالى على لسان نبينا صلى الله عليه وسلم-  :{ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ } (ص 86) ، ويقول سبحانه – : {  يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} (185البقرة ) ، ويقول – سبحانه – :{ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ} (الحج78) ، ويقول سبحانه – :{ وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ} (الحجرات 7) .

فإنْ كنّا نحب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) حقّا وصدقاً , فعلينا باتباع كتاب الله ( عزّ وجل )  , واتباع سنته (صلى الله عليه وسلم )  , يقول الحق (سبحانه وتعالى ) على لسان الحبيب محمد( صلى الله عليه وسلم ) : { قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ  }  ( ال عمران31 ) , كما أنّ من يحب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم )  لا يؤذيه, ولا يؤذي أمته , ولا يؤذي ذميًا , فمن يؤذي أمته فقد آذاه , ومن آذى ذميًا فقد آذاه ( صلى الله عليه وسلم ) , يقول الحق سبحانه وتعالى   : { إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُّهِيناً , وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً { الأحزاب 57, 58},  ويقول ( صلى الله عليه وسلم ) :  ” من آذى ذميًا فقد آذاني ” ,  فكيف بالمجرمين المخربين والمدمّرين والمفجّرين بلا وازعٍ من دين أو ضمير ؟  . إن هؤلاء وأمثالهم لا علاقة لهم بالدين , ولا بالخُلُق القويم , ولا بالإنسانية السّويّة , ولا بالمنهج الربّاني أو النّبوي الذي دعينا للعمل به والاقتداء بهديه .

 

مقالات ذات صلة