خطبة الجمعة 13 من ذي الحجة 1434هـ الموافق 18 من أكتوبر 2013م بعنوان….

أ.د/ محمد مختار جمعه

وزير الأوقاف

نحو روح إيمانية وثابة

لا شيء أكثر طمأنينة للنفس، وتزكية لها، وارتقاء بها، من لجوئها إلى الله (عز وجل)، واعتصامها به، واحتمائها بركنه الشديد.

ولا شيء أكثر ضبطا لسلوكها من حسن مراقبتها له، وخوفها منه، وقد قالوا: من الصعب، بل ربما كان من المستبعد أو المستحيل أن تخصص لكل إنسان شرطيا يحرسه، أو مراقبا يلازمه ويراقبه، وحتى لو فعلنا ذلك فالحارس قد يحتاج إلى من يحرسه،  والمراقب قد يحتاج إلى من يراقبه، ولكن من السهل أن نربي في كل إنسان ضميرا حيا ينبض بالحق، ويدفع إليه، راقبناه أم لم نراقبه، لأنه يراقب من لا تأخذه سنة ولا نوم.

وهذا عمر بن الخطاب يختبر أمانة أحد الرعاة، فيقول له: بعني شاة، فيقول الراعي: أنا راع ولست بصاحب هذه الغنم، فيقول له سيدنا عمر: إذا جاء صاحب الغنم فقل له: إن الذئب قد أكلها، فقال الرجل: إذا غاب صاحب الغنم فأين الله الذي لا يغفل ولا ينام؟ فانطلق عمر(رضي الله عنه)، وهو يقول: وأين الله؟ وأين الله؟ وأين الله؟

وفي قصة ابنة بائعة اللبن التي كانت والدتها تأمرها بأن تخلط اللبن بالماء، فقالت لها: يـا أماه! ألم تعلمي أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب قد نهى عن خلط اللبن بالماء، فقالت لها: وأين عمر الآن؟ فقالت: إذا كان عمر قد نام أوغاب فكيف بالذي لا يغفل ولا ينام؛ وكان الخليفة عمر ساعتها على الباب يتفقد أحوال رعيته، فرأى أنه لا أحد أكفأ لابن أمير المؤمنين من هذه الفتاة الأمينة التي تراقب الله في سرها قبل علنها، مهما كانت منزلتها الاجتماعية، حتى لو كانت مجرد بائعة لبن، لقوله تعالى: “إن أكرمكم عند الله أتقاكم”، فذهب عمر( رضي الله عنه)، إلى ابنه عاصم وعرض عليه الأمر، وزوجه إياها، كانت لها فتاة تزوجها عبد العزيز بن مروان، فأنجبت لهما عمر بن عبد العزيز، خامس الخلفاء الراشدين، ببركة هذه الأمانة وحسن المراقبة لله عز وجل.

 

ولا شك أن العبادات كلها تهدف إلى تقوية هذه المراقبة، وتصحيح السلوك الإنساني، فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، يقول الحق سبحانه: “وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر” وأهل العلم على أنه من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له.

والصوم سر بين العبد  وخالقه، ومن أهم معانيه تحقيق التقوى والمراقبة لله (عز وجل)، فالصائم عندما يتوضأ لا يعلم أحد إلا الله (عز وجل) بوصول الماء أوعدم وصوله إلى فمه، ولا يحجزه عن الطعام والشراب إلا مراقبته لله، تلك المراقبة التي يريد الشارع الحكيم أن تكون أنموذجا لسائر أنواع المراقبة، يقول الحق سبحانه: “يأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون”.

 

أما شعيرتنا التي أكرمنا الله بأدائها ، و ترنو  أبصار  وأفئدة المسلمين جمعيا إليها في هذه الأيام فهي شعيرة  الحج ومناسكه، حيث التضحية بالمال و الجهد و البدن ، إذ يبدأ الإنسان عند خروجه من منزله بدعاء السفر: اللهم إنك أنت الصاحب في السفر و الخليفة في المال و الأهل والولد ، فيلقي حموله و همومه و أحواله كلها إلى أمر ربه (عز و جل ) ، مدركا أن الأمر كله لله، ولو صدقت نية الحاج فهو في معية الله وفي ولايته ، حيث يقول الحق سبحانه: “نحن أولياؤكم  في الحياة الدنيا و في الآخرة”، ومن تولاه الله كفاه و أغناه  وأراح نفسه و قلبه ، يقول سبحانه: “ومن يتق الله يجعل له مخرجا و يرزقه من حيث لا يحتسب” ، ويقول سبحانه: “ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا” ، ويقول سبحانه “ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته و يعظم له أجرا” ، ويقول سبحانه: “ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها” ويقول سبحانه: “أليس الله بكاف عبده”.

 

ثم يتجرد الإنسان من الدنيا وعلائقها من مال و عتاد وولد وسلطان محرما بلباس متجردة هي أشبه ما يكون بتلك الأكفان التي يلقى بها ربه، وعلى العاقل أن يستحضر أن هذا اليوم آت لا محالة ، و كل طويل  في حساب الزمن قصير، والسعيد من وعظ بغيره، و الشقي من وعظ بنفسه، والعاقل من يبيع دنياه بآخرته، و الأحمق من يبيع آخرته بشيء من متاع الدنيا الزائل، وفي هذا نذكر بقول القائل: يابن آدم  أنت في حاجة إلى نصيبك من الدنيا لكنك إلى نصيبك من الآخرة أحوج ، فإن أنت بدأت بنصيبك من الدنيا ضيعت نصيبك من الآخرة ، وكنت في نصيبك من الدنيا علي خطر وإن أنت بدأت بنصيبك من الآخرة مر بنصيبك من الدنيا فانتظمه انتظاما فأصلح الله لك أمر الدنيا و الآخرة، و يقول نبينا (صلي الله عليه و سلم ) “من كانت الدنيا همه فرق الله شمله و جعل فقره بين عينيه وليس له من الدنيا إلا ما كتب له، ومن كانت الآخرة  همه جمع الله شمله و جعل غناه في قلبه و أتته الدنيا و هي راغمة”.

 

وعندما يتعلق الإنسان بأستار الكعبة يدرك بلا شك أنه يأوي إلى ركن شديد ورب عظيم رحيم، حيث الأمل في رحمة الله ورضوانه، في كشف الكرب، وجلاء الظلم، وفتح أبواب الرحمة في الدنيا والآخرة، وذلك عند بيت الله المحرم، حيث أمر الله عز وجل نبيه وخليله إبراهيم (عليه السلام) أن يؤذن في الناس بالحج، واستجاب إبراهيم (عليه السلام)، بلا تفكير ولا تردد مع أن الأرض آنذاك كانت صحراء قاحلة لا إنس ولا بشر، لكن إبراهيم (عليه السلام) كان يدرك أن الخير في طاعة الله (عز وجل) ، وأن ما عليه هو تنفيذ الأمر الإلهي، وأن الاستجابة أو عدم الاستجابة لندائه هي ليست من حوله ولا قوته، إنما هي من مشيئة الله وإرادته “إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين”، أذن يـا إبراهيم وعلى الله البلاغ، فأذن إبراهيم وبلغ نداؤه العالمين، فأتوا من كل حدب وصوب رجالا وركبانا من كل فج عميق يرجون رحمة ربهم ويخافون عقابه، يحدوهم الأمل في القبول والغفران، وأن يصلح الله عز وجل أحوال البلاد والعباد، وأن ييسر لمصر وأهلها سبل الرشاد والأمن والأمان والاستقرار.

ثم يأتي السعي بعد الطواف ليدرك الإنسان ما كان من أم إسماعيل في أخذها بالأسباب، وليت المسلمين جميعا حجاجا وغير حجاج يستفيدون من هذه الدروس في الأخذ بالأسباب، ويدركون أن الله عز وجل لا يضيع أجر المجتهدين.

ويأتي السعي بين الصفا والمروة في إطار رمزية كبرى هي السعي والعمل لنصرة دين الله من جهة، وإعمار الكون لصالح البلاد والعباد من جهة أخرى.

ويأتي تقديم الهدي ونحر الأضاحي لتخليص النفس من علائق الشح والبخل، في رمزية كبرى للتضحية في سبيل الله، وفي سبيل الوطن، وفي قضاء حوائج الناس من إطعام الجائع وكساء العاري وإغاثة الملهوف، وإسكان الشباب، وبناء المجتمعات بتوفيرها ما تحتاجه من مقومات لا بد منها في مجالات الصحة، والتعليم، والطاقة، وغير ذلك.

أما الرجم فإشارة إلى العداء المستحكم بين الشيطان وبني الإنسان، ليدرك الإنسان في كل زمان ومكان أن الشيطان عدو مبين، متربص بالإنسان، قاعد له على كل صراط مستقيم يعمل على ضلاله وغوايته، يأتيه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وشماله إلا من رحم رب العالمين، وحفظه من غواية الغاويين، وهنا يحاول الشيطان أن يأتيك من أي طريق يستطيع به النفوذ إليك،

يقول الإمام الأوزاعي (رحمه الله): ما أمر الله عز وجل في الإسلام بأمر إلا حاول الشيطان أن يأتيك من إحدى جهتين لا يبالي أيهما أصاب الإفراط أو التفريط، الغلو أو التقصير، فالعاقل الحكيم من يفوت على الشيطان الرجيم كلتا الفرصتين، فلا يميل أي الميل إلى اليمين أو اليسار إنما يقف وفق منهج الإسلام السمح في منطقة الوسطية والاعتدال، يقولون: لكل شيء طرفان ووسط، فإن أنت أمسكت بأحد الطرفين مال الآخر، وإن أنت أمسكت بالوسط استقام لك الطرفان.

نسأل الله العلي العظيم أن يوفقنا للفهم الصحيح للإسلام، وأن يجعلنا على طريق السماحة والوسطية حيث لا إفراط ولا تفريط، وأن يرزقنا حسن المراقبة لله عز وجل في سرنا وعلننا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

 

 

مقالات ذات صلة