حسـن الخاتمـة

الشهر الكريم خاتمته مسك ، حيث يلتمس المؤمنون جميعا ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر ، وفيه العيد ، حيث الفرحة الكبرى ، يقول نبينا (صلى الله عليه وسلم) : “للصائم فرحتان , فرحةٌ حينَ يفطرُ ، وفرحةٌ حينَ يَلقى ربَّهُ” (صحيح الترمذي) ، منها فرحة في كل يوم عند الإفطار ، وفرحة كبرى بالعيد .
الأعمال بخواتيمها ، وخير الناس من طال عمره وحسن عمله ، وختم له بحسن العاقبة ، يقول نبينا (صلى الله عليه وسلم) : “إنما الأعمال بالخواتيم” (رواه البخاري) .
على أن حسن الختام يتطلب النشاط في العبادة وليس الفتور ولا قصور الهمة فيها ، حتى إذا ما انتهى رمضان ، وأهل علينا هلال شوال ، أهل بخيره وبركاته ، حيث يقول (صلى الله عليه وسلم) : ” مَنْ صَامَ رَمَضانَ ثُمَّ أَتَبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ كانَ كصِيَامِ الدَّهْرِ” (صحيح مسلم) .
وخير الأعمال ما داوم عليها صاحبها وإن قل ، وقد أخفى ربنا (عز وجل) رحمته في طاعاته ، وأخفى غضبه في معاصيه ، فلا يدري الإنسان بأي عمل يرحم , ولا بأي ذنب يُؤخذ ، كما أنه لا يدري متى تبغته المنية !؟ وعلى أي عمله تبغته !؟، يقول نبينا (صلى الله عليه وسلم) : “إذا أرادَ اللهُ بعبدٍ خيرًا استعملَه ، فقيل : كيف يستعملُه يا رسولَ اللهِ ؟ قال: يوفِّقُه لعمَلٍ صالحٍ قبلَ الموتِ” (مسند أحمد) .
حسن الخاتمة يقتضي منا أن نكثر في هذه الأيام من الذكر وتلاوة القرآن وقيام الليل ، ومن الصدقات ، حيث يقول سبحانه : ” تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ” (السجدة:16) ، ويقول سبحانه:” كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ” (الذاريات:16 ،17) ، ويقول سبحانه :” أَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ” (المنافقون:10) .
ولا يغتر أحد منا بعمله , فقد سألت السيدة أم سلمة (رضي الله عنها ) قالت: يا رسول الله، ما أكثر دعاءك: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك! قال: “يا أم سلمة، إنه ليس آدمي إلا وقلبه بين أصبعين من أصابع الله، فمن شاء أقام، ومن شاء أزاغ”، فتلا سيدنا معاذ بن جبل (رضي الله عنه) : (رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا) .
وليس الأمر في حسن الخاتمة مقصورًا على أعمال العبادات من صلاة وصيام وحج ودعاء وذكر وقراءة قرآن ، أو محصورًا في هذه الأمور فحسب ، إنما حسن الخاتمة يتجاوز ذلك إلى كل عمل يقوم به الإنسان ، فمن كان يكفل يتيمًا فلا ينبغي أن يتركه في منتصف الطريق بلا عذر ، إنما عليه أن يأخذ بيده إلى أن يبلغ رشده ويقوى على حمل أمره ، وكذلك من يقوم على شأن طالب علمٍ فقيرٍ ، فليجتهد أن يواصل الخير معه إلى أن يحصل على أعلى الدرجات العلمية ما دام هذا الطالب مؤهلاً لذلك ، وكذلك من يعمد إلى بناء مسجد أو مشفى أو دار سكن لإيواء غير القادرين أو أطفال الشوارع أو سكان بعض العشوائيات ، كل هؤلاء عليهم ألا يتوقفوا في منتصف الطريق وألا يصابوا بالفتور ، إنما عليهم أن يواصلوا العمل ما وسعهم ذلك .

مقالات ذات صلة