حديث الجمعة
حمـراء الأسـد


أ.د/ محمد مختار جمعة
وزير الأوقاف

يذكر علماء التفسير في نزول قول الله تعالى:” الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ”(آل عمران:172-173) أنها نزلت في حمراء الأسد ، هذا اليوم الذي جاء إثر يوم أحد حيث جمع أبو سفيان بن حرب جيشه وعاد ليجهز على المسلمين بالمدينة ، فانتدب النبي (صلى الله عليه وسلم) أصحابه للخروج , فخرجوا معه إلى حمراء الأسد وجراحهم لازالت تنزف دمًا , وكان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قد قال لأصحابه : “لا يخرج معنا إلا من شهد أحدًا ” , فلما علم أبو سفيان بخروجهم قال ما كان ذلك ليحدث إلا بمدد جديد من أصحابهم , فانصرف دون قتال .
ومن أهم دروس حمراء الأسد : بيان أثر الاستجابة لأمر الله سبحانه وتعالى وأمر رسوله (صلى الله عليه وسلم ) ومدى استعداد الصحابة (رضوان الله عليهم) للتضحية في سبيل دينهم ووطنهم ، وبيان مدى الروح المعنوية العالية لديهم .
ومن أهم دروس أحد – الذي سبق حمراء الأسد – الاستعداد للتضحية في سبيل الحق ، حيث يقول الحق سبحانه وتعالى: {وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} (آل عمران :146)، ومن ذلك اصطفاء أهل الإيمان ، حيث يقول تعالى: {إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ*وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ ” (آل عمران:140) .
مع تأكيدنا أن النصر له أسبابه ومن أهمها : عون الله (عز وجل) ومعيته ، وحسن الإيمان وصدق النية وحسن التوجه إليه والاستعانة به حيث يقول الحق سبحانه : ” وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ “(الروم : 47) ، ويقول الحق سبحانه : ” وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ” (الصافات : 171-173) ، ويقول سبحانه : ” وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ” (النور : 55) .
ومن أسباب النصر: اتباع سنة الله (عز وجل) الكونية في الأخذ بالأسباب ، فَلَو تخلفت أسباب المؤمن عن أسباب غيره بما يعني تقصيره فيما أتيح له من أسباب وتقاعسه عن العمل على تغيير واقعـه ، فإن سنة الله تعالى قد جرت بنصر وتوفيق من يعمل لا من يقصر ، أما حين يبذل المؤمن وسعه وأقصى طاقته ، ويبذل من الجهد أقصى الممكن والمتاح ، مع فهم دينه فهما صحيحا مستنيرًا مميزًا بين التوكل المحمود والتواكل المذموم ، فإنه حينئذ بين إحدى الحسنيين لا محالة ، إما النصر وإما الشهادة سمع الإعذار إلى الله (عز وجل) من النفس ، كما قال سيدنا النضر بن مالك (رضي الله عنه) : اللَّهُمَّ إنِّي أَعْتَذِرُ إلَيْكَ ممَّا صَنَعَ هَؤُلَاءِ – يَعْنِي أَصْحَابَهُ- وأَبْرَأُ إلَيْكَ ممَّا صَنَعَ هَؤُلَاءِ – يَعْنِي المُشْرِكِينَ .

مقالات ذات صلة