المال السياسي والمال الوطني

أ.د/ محمد مختار جمعة وزير الأوقاف

أ.د/ محمد مختار جمعة
وزير الأوقاف

         مصطلح المال السياسي صار  مصطلحًا مشبوهًا أو محفوفًا بالشبهات على أقل تقدير ، وصار أقرب إلى شراء الذمم وتوظيفها للمصالح الخاصة أقرب منه إلى أي شيء آخر .

          غير أن الأخطر فى هذا المال هو ما يتجاوز المحلية إلى التحويلات الدولية لصنع جماعات ، أو ولاءات ، أو تنظيمات إرهابية على شاكلة داعش ، والقاعدة , وأعداء بيت المقدس ، أو دعم هذه الجماعات والتنظيمات ،وعلى رأسها جماعة الإخوان الإرهابية ومن يدور في فلكها من الجماعات والأشخاص المنتفعين ، ويطلق على هذا المال ” المال غير الأخلاقي ” ، و هو ما يجب على المجتمع الدولي كله ، وعلى أحرار العالم ومحبي السلام فيه أن يتعانوا على كشف مستخدميه من صانعي هذه التنظيمات الإرهابية ، أعداء الحضارة ، أعداء الإنسانية ، أمام شعوبهم وأمام العالم ، حتى يتميز الخبيث من الطيب .

        أما المال الوطني فهو ما يهدف إلى بناء الوطن أو الإسهام الجاد في بنائه ، من خلال دعم المؤسسات الوطنية والاجتماعية والإنسانية ، و بما يحقق صالح أبناء الوطن ، ويخفف معاناة الفقراء والمحتاجين منهم ، ويوفر لهم الحد الأدنى من الحياة الكريمة ، سواء في مجال الخدمات الصحية ، أم التعليمية ، أم بتوفير أساسيات الحياة للفقراء والمحتاجين ، أم بالمشاركة في المشروعات ذات النفع العام ، فديننا قائم على التكامل والتراحم والتعاون ، يقول نبينا ( صلى الله عليه وسلم ) : ” في حديثأبي هريرة (رضي الله عنه) ، عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم)  ، قال : من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ، ومن يسر على معسر ، يسر الله عليه في الدنيا والآخرة ، ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة ، والله في عون العبد ، ما كان العبد في عون أخيه” ، ويقول الحق سبحانه وتعالى : ” الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ” ، ويقول سبحانه :  ” مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ” ، ويقول عز وجل : ” هَاأَنتُمْ هَؤُلَاء تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاء وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ ” .

         وهناك نوع آخر من المال يمكن أن يطلق عليه المال الإنساني ، وهو ما يوجه لخدمة الإنسانية ، وخدمة الإنسان من حيث كونه إنسانًا بغض النظر عن دينه أو جنسه أو لونه ، فقد كرم الله عز وجل الإنسان على  إطلاق إنسانيته ، فقال سبحانه وتعالى : ” وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ” ، ولما مرت جنازة على سيدنا رسول الله  ( صلى الله عليه وسلم ) وقف لها ، فقيل : إنها جنازة يهودي ، فقال ( صلى الله عليه وسلم ) : “أليست نفسًا ؟ “.

         فإغاثة الناس كل الناس ، ولا سيما في أوقات الكوارث والنكبات والأزمات يعد أمرًا إنسانيًا لا ينفك عن تعاليم ديننا السمح الذى يدعو إلى إطعام كل جائع ، وكساء كل عارِ ، ومداواة كل مريض ، وإغاثة كل ملهوف على أرضية إنسانية ، حيث أرسل الله (عز وجل) محمد بن عبد الله ( صلى الله عليه وسلم ) رحمة للعاملين جميعًا ، ولم يرسله رحمة للمسلمين وحدهم ، ولا للمؤمنين وحدهم ، ولا للموحدين وحدهم ، فقال سبحانه وتعالى : ” وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ” .

         ولا شك أننا إذا أقمنا علاقاتنا الدولية على أسس إنسانية خالصة وصادقة سنجنب البشرية كثيرًا من ويلات الصراع غير الحضاري ، وغير الإنساني ، ونرسخ بديلًا عن ذلك ما يعرف بالحوار الحضاري، والتواصل الإنساني ، وفقه التعايش السلمي بين البشر جميعًا .

        وهناك المال الطيب المبارك الذي اكتسبه صاحبه من حلال خالص وأنفقه في طاعة الله (عز وجل) ومرضاته ، حيث يقول الحق سبحانه : ” وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلا شُكُوراً * إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً * فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً * وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً” ، ويقول نبينا (صلى الله عليه وسلم) ” مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إِلَّا الطَّيِّبَ , وَإِنَّ اللَّهَ يَتَقَبَّلُهَا بِيَمِينِهِ ، ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهِ كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ” ، والمراد بالفلو (هنا) ولد الناقة ، والمقصود أن الصدقة الحلال مهما كان قدرها فإن الله عز وجل يتقبلها وينميها لصاحبها حتى تكون مثل الجبل .

مقالات ذات صلة

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *