الصوم في زمن كورونا

حديث الجمعة

الصوم في زمن كورونا

أ.د/ محمد مختار جمعة
وزير الأوقاف

 

ربما يظن بعض الناس – قصر نظر منهم وضيق أفق – أن الثواب في زمن الابتلاءات أقل ؛ لعدم التمكن من أداء النوافل على الوجه الأكمل , متناسين أن مجرد الأخذ بالأسباب هو ثواب عظيم , وأن الحفاظ على الحياة ثواب أعظم , وأن كف الأذى عن الناس صدقة , حيث يقول نبينا (صلى الله عليه وسلم) : ” تَكُفُّ شَرَّكَ عَنِ النَّاسِ ، فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ مِنْكَ عَلَى نَفْسِكَ” , وأن مَنْ حُبِسَ عن العمل لعذر فله كامل أجره , يقول (صلى الله عليه وسلم) : “إذَا مَرِضَ العَبْدُ، أوْ سَافَرَ، كُتِبَ له مِثْلُ ما كانَ يَعْمَلُ مُقِيمًا صَحِيحًا” (صحيح البخاري) .
فأبواب الخير في شريعتنا الغراء عظيمة , فهل حبسك حابس عن الصيام حق الصيام ؟ , حيث يقول (صلى الله عليه وسلم) : “مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ” .
وهل حبسك حابس عن القيام حق القيام ؟, حيث يقول (صلى الله عليه وسلم) : “مَنْ قَامَ رمضان إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ”, ومن قال لك إن القيام لا يتحقق إلا بصلاة التراويح في جماعة ؟! , ذلك إن صبر الإنسان على الطاعة وحده أشد ، وأفضل الأعمال عند الله أحمزها أي أشقها .
وهل حبسك حابس عن تلاوة القرآن ؟, يقول (صلى الله عليه وسلم) : ” الصِّيَامُ وَالْقُرْآنُ يَشْفَعَانِ لِلْعَبْدِ ، يَقُولُ الصِّيَامُ : رَبِّ إِنِّي مَنَعْتُهُ الطَّعَامَ وَالشَّهَوَاتِ بِالنَّهَارِ فَشَفِّعْنِي فِيهِ ، وَيَقُولُ الْقُرْآنُ : مَنَعْتُهُ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ فَيُشَفَّعَانِ” (مسند أحمد) .
وهل حبسك حابس عن إطعام الفقراء والمساكين والتوسعة عليهم في هذا الشهر الفضيل ؟, يقول (صلى الله عليه وسلم) لما سأله رجل : أَيُّ الإِسْلاَمِ خَيْرٌ؟ قَالَ : ” تُطْعِمُ الطَّعَامَ وَتَقْرَأُ السَّلاَمَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ ، وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ ” (صحيح البخاري) .
وهل حبسك حابس أو منعك مانع عن التماس ليلة القدر في هذا الشهر الكريم ؟ , ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر , حيث يقول الحق سبحانه : {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ } [القدر: 1 – 3] .
وهل حبسك حابس أو منعك مانع عن التحلي بمكارم الأخلاق من الصدق والأمانة وإتقان العمل؟.
وهل حال حائل بينك وبين الشهر الكريم أن تجتنب ما نهيت عنه ، حيث يقول نبينا (صلى الله عليه وسلم) : “من لم يدَعْ قولَ الزُّورِ والعملَ بِهِ ، فليسَ للَّهِ حاجةٌ بأن يدَعَ طعامَهُ وشرابَهُ” (صحيح البخاري) ، أو اجتناب الغيبة والنميمة ، حيث قِيلَ لِلنَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) : إِنَّ فُلاَنَةَ تَصُومُ النَّهَارَ وَتَقُومُ اللَّيْلَ وَتُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا فَقَالَ : “لاَ خَيْرَ فِيهَا هِيَ فِي النَّارِ” ، قِيلَ : فَإِنَّ فُلاَنَةَ تُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ وَتَصُومُ رَمَضَانَ وَتَتَصَدَّقُ بِأَثْوَارٍ مِنْ أَقِطٍ وَلاَ تُؤْذِي أَحَدًا بِلِسَانِهَا قَالَ : “هِيَ فِي الْجَنَّةِ” (مسند أحمد) ، أو اجتناب الغضب حيث يقول (صلى الله عليه وسلم) :” وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلاَ يَرْفُثْ ، وَلاَ يَصْخَبْ فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ ، أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ” (صحيح البخاري).
إذ لا عذر لخامل أو كسول أو باحث عن أعذار واهية يعلق عليها فتور همته , فليس كورونا حائلاً لأحد عن عمل الخير , بل الأمر على عكس ذلك , حيث العظة والعبرة بحال من نفقد من الأحبة فمن لم يتعظ بتخطف الموت من حوله فلا واعظ له .

مقالات ذات صلة