التضامن العربي وآفاق المستقبل

أ.د/ محمد مختار جمعة وزير الأوقاف

أ.د/ محمد مختار جمعة
وزير الأوقاف

            لا شك أن وحدة الصف وتماسكه مطلب شرعي ووطني على كل المستويات ، انطلاقا من الأسرة ، فالمجتمع ، فالوطن ، فالأمة .

            فديننا يحثنا على التكامل والتعاون والتنسيق ووحدة الصف في جميع المجالات ، حيث يقول الحق سبحانه: ” وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ ” ، ويقول سبحانه : “وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ” ، ويقول (عز وجل) : ” وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ “، ويقول سبحانه : ” إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ” .

ويقول نبينا ( صلى الله عليه وسلم ) : ” الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا ” ، وعن النُّعْمَان بْن بَشِيرٍ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا) عَنْ النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ: ” مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلَاهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنْ الْمَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ فَقَالُوا لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعًا ” .

            والذي لا شك فيه أن التضامن العربي الحقيقي يجعل من الأمة العربية مجتمعة رقما صعبا لا يمكن تجاوزه في المحافل الدولية السياسية ، أو التكتلات الاقتصادية ، أو الشركات عابرة القارات ومتعددة الجنسيات ، أو في مجال الفكر والثقافة والإنتاج الإعلامي ، فالأمة العربية متكاملة متضامنة يمكن أن تشكل كيانًا سياسيًّا واقتصاديًّا كبيرًا بما تملك من إمكانات وميزات : من موقع استراتيجي وثروات طبيعية وطاقة بشرية يمكن أن تنطلق بها إلى مصاف الأمم المتقدمة الراقية ، لتستعيد تاريخها المجيد وحضارتها التي سادت العالم وعمّت ربوعه لقرون طويلة ، كما أنها تمتلك تاريخًا عريقًا وحضارة إنسانية تؤهلها لكل هذا  ، غير أن هذا التاريخ العريق وتلك الحضارة الراقية قد أصابهما قدر كبير من التشويه نتيجة لاختطاف بعض الجماعات المحسوبة ظلمًا على الإسلام في منطقتنا العربية للخطاب الديني وتشويهه بسبب اختلال الفكر والثقافة ومن خلال منظمات عالمية واستعمارية واستخباراتية داعمة لهذه الجماعات ، مما يتطلب منا جميعًا العمل معًا لدحض هذه الشبهات والافتراءات  ونشر الوجه الحضاري السمح الصحيح لديننا الحنيف ، على أن الظروف مواتية أكثر من أي وقت مضى للتضامن العربي ، وذلك لأن الخطر يتهددنا جميعا ، ولا يتهدد استقرار الأمة العربية فحسب ، بل يتهدد أصل وجودها ، ويعمل على تفكيك دولها، وتحويلها إلى دويلات أو عصابات تسقطها في فوضى لا آخر لها ،وهو ما أطلقت عليه بعض قوى الشر : الفوضى الخلاقة ، أو الفوضى البناءة ، مع أن الفوضى هي الفوضى لا بناء فيها ولا ابتكار سوى ابتكار هدم الدول وتحطيم الشعوب وإخضاعها للاستيلاء على ثرواتها وخيراتها ومقدراتها ، والهيمنة على قرارها السياسي والاقتصادي والفكري والإصلاحي ، وهذا الخطر قد تنبهت له القيادات العربية الواعية ، ووعته جيدا وتعمل على مواجهته في روح جديدة وثَّابة عبّروا عنها جميعًا في شجاعة ووضوح بمؤتمر شرم الشيخ في رسالة وصلت واضحة للعالم كله ، مما جعلنا نحيي هؤلاء القادة والزعماء الذين حضروا المؤتمر أو أنابوا من يحضر عنهم ، وبخاصة من المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة ، ودولة الكويت ، وسلطنة عمان ، والبحرين والأردن ، وسائر ممثلي الدول العربية ، ونقول بصوت عالٍ : تحيا الأمة العربية .

            وإننا نعلق آمالاً واسعة على القمة العربية المقبلة التي تعقد بشرم الشيخ في أعقاب مؤتمرنا الاقتصادي الذي حقق نجاحًا باهرًا وفريدًا ، ونرى أن هذه القمة إنما هي قمة استثنائية في تاريخ العمل العربي المشترك لما تعلقه عليها شعوب الأمة العربية من آمال ، مع تأكيدنا على أن القمة ستحمل على عاتقها مواجهة حقيقية للإرهاب والجماعات الإرهابية ، بل إنها تسعى لتحقيق الأمن والسلام والخير لها وللعالم كله ، وهي إنما تسعى لمصلحة شعوبها ومصلحة الإنسانية ؛ لأننا أصحاب حضارة إنسانية لا تعرف التجاوز أو الاعتداء أو الأنانية ، غير أنها أيضا تعرف ما لها وما عليها ، فكما أنها لا تعتدي ولا تتجاوز ، فهي أيضا ترفض وبنفس القدر والنسب أي اعتداء أو تجاوز أو تدخل في شئونها الداخلية ، أو الاعتداء على حقوق أبنائها أو أرضهم أو ثرواتهم أو إرادتهم أو قرارهم السياسي أو الاقتصادي ، فهي تنطلق من منطلق التواصل الحضاري والاحترام المتبادل بين الأمم والشعوب ، وترفض منطق الاستكبار والاستعلاء والاستعباد والاستعمار ، ونؤكد أن هذا زمن قد ولى إلى غير رجعة ، وأننا إنما نسعى للسلام لا الاستسلام ، لأننا أصحاب قضية عادلة في الدفاع عن أنفسنا ومصالحنا ، مع حبنا للخير والنماء والسلام للعالم كله .

مقالات ذات صلة