الإعلام الديني بين صنع التطرف ومواجهته

أ.د/ محمد مختار جمعة وزير الأوقاف

أ.د/ محمد مختار جمعة
وزير الأوقاف

        لا شك أن الإعلام واحد من الأسلحة الهامة في المعارك الفكرية والثقافية وتجييش الرأي العام أو تهيئته , فتنظيم داعش الإرهابي وفق إحصاء لمرصد الأزهر الشريف منشور بتاريخ 4 /12/2015م يجند نحو 80 % من عناصره عبر مواقع التواصل الاجتماعي , ونحو 20 % فقط عبر التواصل المباشر .

           وإذا كان الإعلام بصفة عامة – كما يقولون – سلاحًا ذا حدين , فإنني آثرت أن يكون العنوان متسقًا مع هذه المقولة , واخترت الإعلام الديني وأثره في صنع التطرف أو مواجهته لألقي الضوء على النقيضين .

       وإذا كان مثل هذا العنوان يستوعب بل يستحق دراسة متخصصة تخرج في شكل رسالة علمية ماجستير أو دكتوراه  أو دراسة أكاديمية أو مؤسسية تستقصي كل جوانبه ، فإنني سأحاول أن ألقي الضوء على جانب من المشهد لعله يفتح الباب أمام الباحثين لدراسات مستفيضة في هذا المجال .

          وإذا أردنا أن نأخذ نماذج للإعلام الديني الهادف لا يمكن أن نتجاوز صحفًا كعقيدتي التي تصدر عن دار التحرير ، واللواء الإسلامي التي تصدر عن مؤسسة أخبار اليوم ، وصوت الأزهر التي تصدر عن مشيخة الأزهر الشريف ومجلات هامة كمجلة الأزهر  التي تصدر عن مشيخة الأزهر الشريف ، ومنبر الإسلام التي تصدر عن المجلس الأعلى للشئون الإسلامية بوزارة الأوقاف ، حيث تلقى هذه الإصدارات الضوء على كثير من القضايا الفكرية والدينية وتناقشها مناقشة علمية جادة وبخاصة ما يتصل بمواجهة الإرهاب والفكر المتطرف ولا سيما في الآونة الأخيرة ، وهذه الوسائل يجب أن تُشجع وأن تُحتضن وأن يلقى عليها الضوء أكثر مما هو عليه الآن , ثم إن عليها جميعًا أن تطور من نفسها شكلاً ومضمونًا بما يتواكب مع معطيات العصر ومستجداته وقضاياه الراهنة.

          ويرجع نجاح هذه الوسائل إما لأنها تنتهج نهجًا دينيًا خالصًا ، أو أنها تنتهج نهجًا دينيًا ووطنيًا وتثقيفيًا , بعيدًا عن التجاذبات الحزبية , وعدم تبعيتها لأي جماعة دينية أو فصيل سياسي ، فهي إما أن تتبع مؤسسة دينية عريقة كالأزهر الشريف أو وزارة الأوقاف ، أو مؤسسة قومية كدار التحرير أو أخبار اليوم .

          أما إذا استدعينا إلى الذاكرة هذا العام الأسود المشئوم المعروف بعام حكم المرشد أو جماعة المقطم أو عام الأهل والعشيرة فإننا نريد أن نذكر لكي لاننسى أو نفقد الذاكرة ببعض ما كانت تبثه وسائلهم الإعلامية من قذائف تشدد كغزوة الصناديق ، أو الدعوة إلى هدم الآثار أو تحطيمها على لسان مرجان أحمد مرجان وجماعته ، أو تلك السيول المفرطة في التكفير أو التهديد والوعيد والقذف والسباب الصراح ، حيث تحولت بعض البرامج الدينية آنذاك إلى برامج حزبية موجهة لصالح جماعة الإخوان المسلمين ومن كان يدور في فلكها من جماعات وتيارات وأحزاب الإسلام السياسي وبلا أي استثناءات .

           ومع دعوتنا الصراح لدعم جميع الوسائل المعتدلة من الإعلام الديني وحث العلماء المتخصصين على إثرائها سواء بحواراتهم أم بمقالاتهم وكتاباتهم ، فإننا ندعو جميع وسائل وبرامج الإعلام الديني إلى إفساح المجال واسعًا أمام المتخصصين دون سواهم ، وعدم السماح لغير المؤهلين وغير المتخصصين بالتصدر الديني عبر هذه الوسائل حتى نستطيع معًا تجفيف منابع التطرف والفتوى بدون علم ، ونغلق الباب أمام الأدعياء من أن يعبثوا بعقول المجتمع وأمنه الفكري .

          كما نحذر من تسلل بعض عناصر التطرف والتشدد إلى بعض وسائل الإعلام الديني كتابة أو تحريرًا أو خلافه ، ولو كان ذلك تحت مظلة التقية المقيتة  ، إذ إن تطهير جميع هذه الوسائل من عناصر الجماعات المتشددة يعد واجبًا دينيًا ووطنيًا.

مقالات ذات صلة

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *