الأرض السبخة والأشجار المثمرة


وزير الأوقاف
الأرض السبخة هي تلك الأرض التي لا تنبت كلأ ولا تمسك زرعًا ، حيث يقول نبينا (صلى الله عليه وسلم) : ” مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ ، كَمَثَلِ الْغَيْثِ الْكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضًا فَكَانَ مِنْهَا نَقِيَّةٌ قَبِلَتِ الْمَاءَ ، فَأَنْبَتَتِ الْكَلَأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ ، وَكَانَتْ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمْسَكَتِ الْمَاءَ ، فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا ، وَأَصَابَتْ مِنْهَا طَائِفَةً أُخْرَى إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لَا تُمْسِكُ مَاءً وَلَا تُنْبِتُ كَلَأً ، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللَّهِ وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ فَعَلِمَ وَعَلَّمَ ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ ” (رواه البخاري) ، فالذي لا ينفع الله به الناس هو كالأرض السبخة أو القيعان التي لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ ، فخير الناس أنفعهم للناس ، وشرهم من تركه الناس واتقوه وتجنبوه اتقاء فحشه ، حيث يقول نبينا (صلى الله عليه وسلم) : “إِنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ فُحْشِهِ” (رواه البخاري) ، ويقول (صلى الله عليه وسلم) : ” إِنَّ مِنَ النَّاسِ مَفَاتِيحَ لِلْخَيْرِ مَغَالِيقَ لِلشَّرِّ ، وَإِنَّ مِنَ النَّاسِ مَفَاتِيحَ لِلشَّرِّ مَغَالِيقَ لِلْخَيْرِ ، فَطُوبَى لِمَنْ جَعَلَ اللَّهُ مَفَاتِيحَ الْخَيْرِ عَلَى يَدَيْهِ ، وَوَيْلٌ لِمَنْ جَعَلَ اللَّهُ مَفَاتِيحَ الشَّرِّ عَلَى يَدَيْهِ ” (سنن ابن ماجه) ، أما أهل الفضل والصفاء فهم من شرح الله صدورهم للإسلام ، وملأها بحب الخير ، فاصطفاهم لقضاء حوائج الخلق ، حيث يقول نبينا (صلى الله عليه وسلم) : ” إِنَّ لِلَّهِ عَبَّادًا اخْتَصَّهُمْ بِالنِّعَمِ لِمَنَافِعِ الْعِبَادِ ، يُقِرُّهُمْ فِيهَا مَا بَذَلُوهَا، فَإِذَا مَنَعُوهَا نَزَعَهَا مِنْهُمْ، فَحَوَّلَهَا إِلَى غَيْرِهِمْ “، ويقول (صلى الله عليه وسلم) : ” إِنَّ لِلَّهِ عِبَادًا خَلَقَهُمْ لِحَوَائِجِ النَّاسِ ، يَفْزَعُ النَّاسُ إِلَيْهِمْ ، أُولَئِكَ الْآمِنُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ” ، هؤلاء هم الأشجار المثمرة ، اليانعة النافعة ، غير أن هذا الإثمار قد يعرضهم لحسد الآخرين أو أحقادهم أو محاولة تعويقهم ، ممن قصرت همهم ، وشغلوا بالصغائر عن العظائم، وبهدم الآخرين عن بناء أنفسهم ، وقد قالوا : ولا يقذف بالأحجار إلا الشجرة المثمرة ولا يقذفها إلا الصبية ، أما الرجال فيستحون ، ولا يحوم اللص إلا حول البيوت العامرة فإن حام حول البيت الخرب كان سيد البلهاء , غير أن رمي الصبية أو قذفهم لا يزيد الوطنيين المخلصين إلا صلابة ، فالضربة التي لا تقصم الظهر تقويه ، ولله در القائل:
عـــــــــدَاي لهــــم فضل علي ومنة
فلا أبعد الرحـمن عنّي الأعــــاديا
هـــم بصروني عن زلتي فاجتنبتها
وهم سابقوني فاكتسبت المعــــاليا
ويقــــــــول أبو الأسود الدؤلي :
حَسَدوا الفَتى إِذ لَم يَنالوا سَعيهُ
فَالقَـــــــــــــومُ أَعداءٌ لَهُ وَخُصومُ
كَضَــــــرائِرِ الحَسناءِ قُلنَ لِوَجهِها
حَســـــداً وَبَغيـــــــاً إِنَّـــــــــهُ لَدَميمُ
فالعاقل من ينشغل بالبناء لا بالهدم ، ولا يقابل السيئة بالسيئة ، بل يعفو ويصفح , ويدفع بالتي هي أحسن ، حيث يقول الحق سبحانه: ” وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ” , نسأل الله أن نكون منهم وأن نتحلى بأخلاقهم وأن نحشر في زمرتهم .



