الأجنـحة الدعوية للجمـعيات الخيـرية

أ.د / محمد مختار جمعة

وزير الأوقاف

 

لا ينكر أحد ما للجمعيات والمؤسسات الخيرية من جهد بارز في مجال العمل الاجتماعي، أما اقتحامها ساحة العمل الدعوي فهذا هو محل النقاش.

على أنّ الجمعيات والمؤسسات التي على الساحة المصرية يمكن تقسيمها على الإجمال إلى جمعيات تعمل في الجانب الاجتماعي والعناية بتحسين الأحوال المعيشية للمواطنين ، ولا علاقة لها بالشأن الدعوي ،  وهي على الجملة ما  لم توظف توظيفًا حزبيًا أو طائفيًا أو مذهبيًا – تسهم في تخفيف الأعباء عن الفقراء والكادحين  ، أما إذا وُظّفت توظيفًا حزبيًا أو طائفيًا أو مذهبيًا فإنّها تشقّ صف المجتمع ، وتحدث شرخًا في بنيانه.

والحل يكمُن في مراقبة هذه الجمعيات ، ومعرفة توجهات أعضائها ومجالس إداراتها ، فمن كان يعمل في إطار المصلحة الوطنية شُجِّعَ وقُدّمت له التيسيرات التي تؤدي إلى نجاح عمله، وقيامه به على الوجه الأكمل ، أما إذا أدّى عملها إلى شق الصف الوطني ، فالقاعدة الشرعية “أن درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة”.

والنوع الثاني جمعيات تجمع بين مجالي الدعوة والعمل الاجتماعي ، سواء أكان في مجال الصحة ، أم في مجال كفالة الأيتام ، أم في مجال الإعانات والمساعدات ، أم في مجال تحسين الخدمات للمناطق الأكثر فقراً والأشد احتياجًا، وترى أنها في حاجة إلي ظهير دعوي لدفع الناس إلي التكافل والتراحم وشرح الأبعاد الشرعية لمشروعاتها ، وهذه الجمعيات ينطبق عليها في الجانب الاجتماعي ما ينطبق على النوع الأول من الجمعيات ، وهو الترحيب بعملها مالم يشق صفًا أو يؤد إلي فرقة ، أو يوظف لصالح فصيل بعينه أو جهة بعينها.

فإن خرج أي من الجمعيات عن الخط الوطني فالقانون في ذلك واضح جلي ، وهو حل مجلس إدارة أي جمعية يخرج عملها عما تقتضيه المصلحة الوطنية ، وتعيين مفوضٍ أمينٍ يدير أمور الجمعية لحين انتخاب مجلس إدارة جديد  يراعي المصلحة الوطنية في ضوء مقتضيات القانون.

وفي كل الأحوال لابد من مراقبة جادة لأموال جميع الجمعيات سواءً في تحصيلها أم في إنفاقها ، بحيث تقوم الجهات الرقابية بدورها في تفعيل القانون ، بعدم جمع أية أموال دون تصريح ، ودون أن يكون ذلك مقابل إيصال رسمي ، ومن خلال جهة أو جمعية مُشهرة ومعتمدة وتحت المراقبة ، وأن تكون جميع وجوه الإنفاق كذلك وفق آليات قانونية واضحة، مع الإفادة من الوسائل الإلكترونية والتكنولوجية الحديثة بما يوفر الشفافية الكاملة في عمل جميع الجمعيات والمؤسسات وكافة منظمات المجتمع المدني.

– النوع الثالث جمعيات لا تقدم أعمالًا اجتماعية ملموسة ، إنما تعمل فقط في مجال الدعوة أو الثقافة ، وهذا النوع من الجمعيات في الغالب الأعم أنشئ لأغراض حزبية أو سياسية أو مذهبية أو شخصية، وأحيانًا قد تكون بولاءات غير وطنية تراعي مصالح الدول الممولة أو الرّاعية أكثر مما تراعي المصلحة الوطنية ؛ بل إنّ بعضها قد يستخدم في الإضرار بالمصالح العليا  للوطن  ، والعمل على هدم بنيانه وإشاعة الفرقة بين أبنائه.

وربما كان لعدم إعطاء المؤسسات الدينية الرسمية لهذا الجانب الاجتماعي فيما مضى حقه الدعوي بما فيه الكفاية ما يوفر حجة ومبرراً لهذه الجمعيات بحاجتها إلى جناح أو ظهير دعوي يدعم عملها الخيري ، أما وقد صار للأزهر الشريف ووزارة الأوقاف خط دعوي واضح ومميز يضع خططًا دعوية مدروسة تراعي جميع المصالح والجوانب العقدية، والتعبدية ، والإيمانية، والأخلاقية ،والاجتماعية، والثقافية ، وترى أن قضاء حوائج الناس والوفاء باحتياجاتهم الأساسية واجب شرعي ووطني ، وتفتح أبوابها لتلقي مقترحات كل الجمعيات في كل ما يدعم العمل الاجتماعي ، وهي على استعداد كامل لتخصيص جزء من برنامجها الدعوي في الخطب والدروس والندوات والقوافل الدعوية  والإصدارات والنشرات الدعوية والفقهية والعلمية ، لذلك لم  تعد هناك حاجة إلى أن يكون لهذه الجمعيات أجنحة دعوية خاصة بها ، ذلك أننا لو سمحنا لكل جمعية على اختلاف ميولها واتجاهاتها وولاءاتها أحيانًا بجناح دعوي  فإن هذا قد يتبع الشرق وهذا يتبع الغرب ، والمراقب الجيد للساحة يدرك     أن بعض الخطباء والكتاب وإن قلّ قد يوجه نظره صوب الخارج أكثر مما يراعي الداخل ، لأنه يبحث عن مصلحة مادية أو معنوية قد توفرها له جهات خارجية بما لا يمكن له الحصول عليه في حدود وظيفته وموقعه.

وإذا كان الفقهاء يقررون أن الجمعة لا تنعقد إلا في المسجد الجامع ، وبإذن من الإمام  أو نائبه ، وأنه لا يجوز الافتئات على الإمام في ذلك ، وقد ألّف العلّامةُ الشافعيُّ الإمام تقي الدين السبكي رسالة سمّاها ” الاعتصام بالواحد الأحد من إقامة جمعتين في بلد ” ، لأن تعدد الجمع بلا داع يؤدي إلى تشتت المسلمين وتفرق كلمتهم – فإن ذلك يؤكد على أن الخطابة لا يمكن أن تكون كلأ مباحًا، للمتخصص وغير المتخصص ، المصرح له وغير المصرح ؛ بل ينبغي أن تكون هناك أمور ضابطة وحاسمة ، وأن تكون المرجعية فيمن يصلح ومن لا يصلح هو ما ينظمه القانون من إسناد جميع المهام الدعوية ونشر علوم الدين واللغة إلى الأزهر الشريف ووزارة الأوقاف التي تقوم بالتنفيذ العملي للجوانب الدعوية تحت رعاية الأزهر الشريف وعلى أيدي علمائه وأبنائه وخريجيه من التخصصات الشرعية.

وإذا كانت بعض الجمعيات تأخذ بحسم وشدة ؛ بل قد تقصي أو تفصل من يخرج على الخطة الدعوية التي تحددها وترسمها ، وكانت تطلب من خطبائها أن يكونوا على قلب رجل واحد في توجيه رسالة واحدة تخدم رسالة الجمعية التابعين لها ، فلم يعد من العقل أو الحكمة أن نترك عشرات ومئات الجمعيات على اختلاف رسالاتها وخطابها الدعوي أو الثقافي بما قد يفرق أكثر مما يجمع.

وليس من العقل أو الإنصاف أن تنكر هذه الجمعيات أو بعضها على وزارة الأوقاف أن تسعى إلى ما كانت الجمعيات تسعى إليه من جمع وعاظها على كلمة سواء ، وإن كان البون شاسعًا بين جمعيات قد يسعى بعضها إلى مصالح خاصة وبين وزارة أعلنت بوضوح شديد أنها وزارة دعوية تعمل في إطار الضوابط الشرعية ، ولم ولن تخرج أو تحيد عنها ، وأنها وزارة وطنية تعمل لكل ما يحقق مصلحة الوطن والمواطن ، فحيث تكون المصلحة فثمة شرع الله ، كما أنّها أخذت في الانتقال بقضية تجديد الخطاب الديني من التنظير والتقعيد إلى حيز التطبيق العملي وتناول الموضوعات التي تراعي جميع الجوانب الإيمانية والاجتماعية والحياتية للمواطن ، والمصلحة العليا للوطن , وهي على استعداد لتلقي أيّ مقترحات في هذا الشأن والإفادة منها بسعة صدر ورحابة أفق.

 

المركز الإعلامي لوزارة الأوقاف

مقالات ذات صلة