إلـى عــرفــات اللــه

أ.د/ محمد مختار جمعة وزير الأوقاف

أ.د/ محمد مختار جمعة
وزير الأوقاف

 

إلى عرفات الله يممت وجهـتــي

وأملـت في الرحمن غفـــران زلتــي

وتـاقت نفوس العاشقين لمشعــــر

عليه آمــال الخلـق ترنـــو لرحمــــــة

يفيض بها الرحمـن عطفًا عليـهـم

إفــــاضـــة إكــــرام عظيـــم ومنــــــة

فـــلله در الواقفيــــن ودرنـــــــــــا

إذا مَـــنّ رب العـــرش ثـَـمّ بتـــوبــــة

لتمحو أثر الذنب مــن أعناقنـــــــا

وترقى بمشتــــاق لأبــــواب جنــــــة

فيارب فـــرج كربنـــــا وهمومنــــــا

وتمــم زيـارتنــــا بأعتـــــاب روضــــــة

بروضة أحمد خير خلقـك كلهــــــم

وحقــق منــــاي بالبقيــــع وبغيتــــي

 

      إن الحج رحلة إيمانية , تهفو إليها نفوس المسلمين جميعًا , وهي أمل كل مسلم , سواء في مقتبل العمر أم في ختام رحلة الحياة , حيث يهب الناس رجالاً ونساء , آحادًا وجماعات , من كل فج عميق إلى بيت الله الحرام , استجابة لقوله تعالي : ” وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ” .

      وتلك فرصة في العمر قد لا تتكرر , فالعاقل من اغتنمها , ولم يضيعها , وعمل بكل طاقته على التعرض لنفحات الله فيها , ” ألا إن لربكم في أيام دهركم لنفحات ، ألا فتعرضوا لها , ألا فتعرضوا لها ” .

      ومن أهم مظاهر هذا التعرض الخشوع والخضوع لله , وكثرة الذكر والثناء عليه , وقد سئل سفيان بن عيينة عن أفضل الدعاء يوم عرفة , فقال : ” لا إله إلا الله وحده لا شريك له , له الملك وله الحمد بيده الخير وهو على كل شيئ قدير ” ، فقيل له هذا ثناء وليس بدعاء , فقال يقول الله (عزّ وجلّ) في الحديث القدسي ” مَنْ شغَلَهُ ثَّنَاؤُه عَلَيَّ عَنْ مَسْأَلَتِي ، أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أُعْطِي السَّائِلِينَ ” ، ثم ذكر  قول أمية بن أبي الصلت :

أَأَذْكُرُ حَاجَتِي أَمْ قَدْ كَفَانِي

حَيَــــاؤُكَ إِنَّ شِيمَتَكَ الْحَيَاءُ

وعلمك بالحقوق وأنت فرع

إذا أثنـى عليك المــرءُ يوماً

لك النسب المعلى والثنـــاء

كفــاه مِــن تعـرُّضِـــه الثَّنــــاءُ

         فإذا كان هذا مع الخلق , فكيف بأكرم الأكرمين ورب العالمين وخالق الخلق أجمعين ؟

       وهنا ينبغي أن يركز الحاج دعاءه على طلب الرضا والقبول , والدعاء بحسن الخاتمة وتيسير الوصول , وعليه ألا يكف عن الدعاء لوطنه بالسلامة والأمن والاستقرار , وللعصاة بالهداية والبعد عن مسالك ومصائد الشيطان , وللقادة المصلحين بالسداد والتوفيق والوصول بالوطن إلى بر الأمان .

         ونوجه النصح للمتهيئين للحج والصاعدين إلى عرفات الله ، قبل السفر برد المظالم ، والبعد عن الحرام ، والتطهر منه ، ورد الأمانات ، وإنهاء الخصومات ، وتجديد النية لله ، وعدم اصطحاب ما هو ممنوع من الدواء ، أو الانشغال بحمل الزائد من المتاع الزائل ، لا ذهابًا ولا عودة ، فرحلة قد لا تتكرر لا ينبغي لعاقل أن ينشغل عنها ببيع أو شراء ، أو إثقال كاهل بحمل أمتعة له مندوحة كبيرة وبدائل كثيرة عن حملها ، أهمها توفر هذه السلع وما يقوم مقامها بأسعار منافسة أو أقل في مصرنا العزيزة .

        كما أنَّ على الحاج أثناء حجه أن يبتعد عن الخلاف والشقاق والمشاحنة والأذى والمزاحمة التي تضر الآخرين ولو بحجة الوصول إلى الحجر أو الأركان أو الملتزم ، فسلامة الحجاج  وكف الأذى عنهم أولى مائة مرة من المزاحمة على الحجر أو الدفع للوصول إليه ، إذ يكفي لمن لا يتيسر له الوصول أن يشير إليه ، فالشريعة قائمة على التيسير ورفع المشقة ، والحج قائم على ” افعل ولا حرج ” .

        ثم إنَّ على الحاج أن يتحلى قبل سفره وأثناء سفره وبعد عودته بمكارم الأخلاق ، فثمرة الحج مرتبطة بهذه الأخلاق بل معلقة عليها ، يقول نبينا (صلى الله عليه وسلم) : ” من حج فلم يرفث ولم يفسق ولم يجهل ولم يصخب رجع كيوم ولدته أمه ” .

       وإذا أراد الحاج أن ينظر في علامات قبول حجه ، فلينظر أول ما ينظر إلى حاله قبل الحج وحاله بعد الحج ، فإن وجد رغبة شديدة وحبًا في مكارم الأخلاق وإقدامًا عليها ، فتلك من علامات القبول وانشراح الصدر ، وإن وجد غير ذلك فليراجع نفسه ، وليسأل ربه الهداية إلى الخير ومكارم الأخلاق ، وليجدد النية وليصححها ، لأنَّ العبادات إذا لم ينطبع أثرها في سلوك الفرد وأخلاقه فلم ينتفع بها لا في أمر دينه ولا في أمر دنياه ، وقد جعل نبينا (صلى الله عليه وسلم) الوصول بالناس إلى الخلق الكريم هدفًا وغاية لرسالته ، فقال (صلى الله عليه وسلم) : ” إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق “ .

مقالات ذات صلة

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *