أهل القرآن

أ.د/ محمد مختار جمعة وزير الأوقاف

أ.د/ محمد مختار جمعة
وزير الأوقاف

     أهل القرآن هم أهل الله وخاصته ، يقول نبينا (صلى الله عليه وسلم) : ” إِنَّ لِلَّهِ أَهْلِينَ مِنْ النَّاسِ ” قَالُوا :  يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَنْ هُمْ ؟ قَالَ : “هُمْ أَهْلُ الْقُرْآنِ ، أَهْلُ اللَّهِ وَخَاصَّتُهُ “.

      والقرآن هو كلام الله المنزل على رسوله محمد (صلى الله عليه وسلم) ، المتعبد بتلاوته ، المتحدى بأقصر سورة منه ، من قال به صدق ، ومن حكم به عدل ، لا يشبع منه العلماء ، ولا يخَلقُ عن كثرة الردّ ، يقول الحق سبحانه : ” إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً * وأَنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً” ، ويقول سبحانه : ” اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ” ، فالقرآن الكريم كتاب هداية ، حيث يقول الحق سبحانه :” الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ ” ، وهوكتاب رحمة وشفاء ، حيث يقول سبحانه : ” وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَاراً ” ، وهو نور يهدي به الله من يشاء من عباده ، حيث يقول الحق (عز وجل ) : ” وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء” ، لم تلبث الجن إذ سمعته أن قالوا ” إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَداً ” وما أن سمع أحد الأعراب قوله تعالى : ” وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءكِ وَيَا سَمَاءٌ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاء وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ” ، حتى انطلق قائلا : هذا كلام رب العالمين لا يشبه كلام المخلوقين ، وإلا فمن ذا الذي يأمر الأرض أن تبلع ماءها فتبلع ؟ ، ويأمر السماء أن تقلع عن إنزال الماء فتطيع وتسمع ؟ ، إنه رب العالمين ولا أحد سواه ، وعندما سمع (الأصمعي) امرأة بليغة فصيحة فأعجب ببلاغتها وفصاحتها ، فقال لها : ما أفصحك وما أبلغك ، فأجابته : أي فصاحة ، وأي بلاغة إلى جانب بلاغة كتاب الله (عز وجل) ، لقد جمع في آية واحدة بين أمرين ونهيين وخبرين وبشارتين وذلك حيث يقول الحق سبحانه : “وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ “.

       أما إكرام الإسلام لأهل القرآن فحدث عنه ولا حرج ، فهذا نبينا (صلى الله عليه وسلم) يضرب أعظم المثل مع أهل القرآن ، فقد قال يوما لسيدنا أُبيّ بن كعب :” أُمِرْتُ أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ” ، فَقُلْتُ: أَسَمَّانِي لَكَ رَبِّي أَوْ رَبُّكَ ؟ قَالَ: «نَعَمْ» ، فَتَلَا: “قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ” ، وفي رواية : ” قال أُبيّ يا رَسُولَ اللَّهِ، وَذُكِرْتُ هُنَاكَ؟ ، قَالَ(صلى الله عليه وسلم) : “نَعَمْ بِاسْمِكَ ونَسَبِكَ فِي الْمَلَأِ الْأَعْلَى” . قَالَ: فَاقْرَأْ إِذًا يَا رَسُولَ اللَّهِ “

       ولما صعد سيدنا عبد الله بن مسعود (رضي الله عنه) يوما النخلة ، وكان نحيل الجسد شديد النحول , فضحك بعض الحاضرين من شدة نحول ساقه ، فقال نبينا (صلى الله عليه وسلم) : “مِمَّ تَضْحَكُونَ؟” قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، مِنْ دِقَّةِ سَاقَيْهِ ، فَقَالَ: “وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَهُمَا أَثْقَلُ فِي الْمِيزَانِ مِنْ أُحُدٍ” , وكان (صلى الله عليه وسلم) يقول : “مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ غَضًّا كَمَا أُنْزِلَ فَلْيَقْرَأْهُ عَلَى قِرَاءَةِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ” , وقال له نبينا (صلى الله عليه وسلم) يوما : “اقْرَأْ عَلَيَّ الْقُرْآنَ ” قُلْتُ : آقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ! ، قَالَ : ” إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي” , فتلا عليه ابن مسعود (رضي الله عنه) من سورة النساء حتى انتهى إلى قوله تعالى : ” فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَـؤُلاء شَهِيداً * يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ وَلاَ يَكْتُمُونَ اللّهَ حَدِيثاً “.

          وكان سالم مولى أبي حذيفة من أهل القرآن الذين قال نبينا (صلى الله عليه وسلم) فيهم : ” خُذُوا الْقُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ : مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، وَسَالِمٍ ، وَمُعَاذٍ ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، أَيْ : تَعَلَّمُوا مِنْهُمْ” , وكان سالم (رضي الله عنه) يقول : يا أهل  القرآن، زيِّنوا  القرآن بأعمالكم , ولما حضرت سيدنا عمر بن الخطاب (رضي الله عنه)الوفاة , قيل له : استخلف , فقال : لو كان سالم مولى أبى حذيفة حيًّا لاستخلفته ، فإن سألني عنه ربي قلت : إني سمعت نبيك (صلى الله عليه وسلم) يقول : إنه يحب الله حقًا من قلبه .

      ومن إكرام الله (عز وجل) لأهل القرآن أن جعله شفيعًا لأصحابه يوم القيامة ، يقول نبينا (صلى الله عليه وسلم) : “الصيام والقرآن يشفعان للعَبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي رَبِّ، مَنَعته الطعامَ والشهوات بالنهار، فشفِّعْني فيه، ويقول القرآن: منعته النومَ بالليل، فشَفِّعْني فيه”، قاَل: “فيُشَفَّعانِ” . ، ويقول نبينا (صلى الله عليه وسلم) “مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ، وَعَمِلَ بِمَا فِيهِ أُلْبِسَ وَالِدُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَاجًا ضَوْءُهُ أَحْسَنُ مِنْ ضَوْءِ الشَّمْسِ فِي بُيُوتِ الدُّنْيَا وَكَانَتْ فِيهِ، فَمَا ظَنُّكُمْ بِالَّذِي عَمِلَ بِهِ”.

على أن القرآن الكريم إما أن يكون حجة لنا أو حجة علينا ، يقول نبينا (صلى الله عليه وسلم ) : ” الْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ ” ، فالقرآن حجة لمن أعطاه حقه تلاوة وتدبرًا وعملا بأوامره ونواهيه والتزامًا بأخلاقه ، وحجة على من ضيعه هجرًا له وهجرًا لأخلاقه ، إذ يحتم علينا الوفاء بواجبنا تجاه هذا الكتاب إعطاءه حقه تعلمًا وتعليمًا وفهمًا ، وتأملا وتدبرًا وعملا.

مقالات ذات صلة

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *