الإيثار وقت الشدائد
الإيثار وقت الشدائد
الإيثار خلق نبيل ومكرمة عظيمة في كل الأحوال والأوقات غير أنه يكون أعظم أجرًا وأكثر نبلًا عند الشدائد والأزمات، حيث يقول نبينا (صلى الله عليه وسلم) : “إنَّ الأشْعَرِيِّينَ إذا أرْمَلُوا في الغَزْوِ، أوْ قَلَّ طَعامُ عِيالِهِمْ بالمَدِينَةِ، جَمَعُوا ما كانَ عِنْدَهُمْ في ثَوْبٍ واحِدٍ، ثُمَّ اقْتَسَمُوهُ بيْنَهُمْ في إناءٍ واحِدٍ، بالسَّوِيَّةِ، فَهُمْ مِنِّي وأنا منهمْ”.
وأعلى درجات الإيثار هو إيثار ما عند الله تعالى على الدنيا وما فيها، استجابة لقوله تعالى: “مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ الله بَاقٍ” (النحل: 96)، ومنه ما كان من أبي طلحة الأنصاري (رضي الله عنه) حيث كان الرجل أكثر الأنصار بالمدينة مالاً من نخلٍ، وكان أحب أمواله إليه بيرحاء، وكانت مستقبلة المسجد، وكان (صلى الله عليه وسلم) يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب، فلما أنزلت هذه الآية: “لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ” (آل عمران: 92) قَامَ أَبُو طَلْحَةَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّ الله تبارك وتعالى يَقُولُ: “لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ”، وَإِنَّ أَحَبَّ مَالِي إِلَيَّ بَيْرُحَاءَ، وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لله أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ الله، فَضَعْهَا يَا رَسُولَ الله حَيْثُ أَرَاكَ الله، فَقَالَ رَسُولُ الله (صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): “بَخٍ ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ، ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ، وَقَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الْأَقْرَبِينَ، فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: أَفْعَلُ يَا رَسُولَ الله: فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ، وبَنِي عَمِّهِ” (صحيح البخاري).
ديننا الحنيف يحثنا على الإيثار وسخاء النفس، وينهانا عن كل ألوان الأثرة والأنانية، وقد أثنى القرآن الكريم على الأنصار ووصفهم بهذا الخلق النبيل، فقال سبحانه: “وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ” (الحشر: 9)، وأَتَى رَجُلٌ النَّبِيَّ (صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، فَبَعَثَ إِلَى نِسَائه، فَقُلْنَ: مَا عِنْدَنَا إِلَّا الْمَاءُ، فَقَالَ رَسُولُ الله (صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): “مَنْ يَضُمُّ هَذَا، أَوْ يُضِيفُ هَذَا؟ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ: أَنَا، وَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى امْرَأَتِهِ، فَقَالَ: أَكْرِمِي ضَيْفَ رَسُولِ الله (صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، فَقَالَتْ: مَا عِنْدَنَا إِلَّا قُوتُ الصِّبْيَانِ ! فَقَالَ: هَيِّئِي طَعَامَكِ، وَأَصْبحِي سِرَاجَكِ، وَنَوِّمِي صِبْيَانَكِ إِذَا أَرَادُوا عَشَاءً، فَهَيَّأَتْ طَعَامَهَا، وَأَصْبَحَتْ سِرَاجَهَا، وَنَوَّمَتْ صِبْيَانَهَا، ثُمَّ قَامَتْ كَأَنَّهَا تُصْلِحُ السِّرَاجَ، فَأَطْفَأَتْهُ، فَجَعَلا يُرِيَانِهِ أَنَّهُمَا يَأْكُلانِ، فَبَاتَا طَاوِيَيْنِ، فَلَمَّا أَصْبَحَا غَدَا إِلَى رَسُولِ الله (صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، فَقَالَ: ضَحِكَ الله اللَّيْلَةَ، أَوْ عَجِبَ مِنْ فِعَالِكُمَا، فَأَنْزَلَ الله تَعَالَى: “وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ” (صحيح البخاري)، فما أحوجنا إلى العودة إلى ديننا وقيمنا والتحلي بهذه الأخلاق الكريمة.




