دور العقل في فهم النص

  لا غني  عن إعمال العقل في فهم صحيح النص وفي تطبيقاتها وفي إنزال الحكم الشرعي على مخاطبة الواقع العملي ، كما أنه لا بد من إعادة قراءة النص في ضوء مستجدات العصر ومن ذلك قول النبي (صلى الله عليه وسلم) للأعرابي الذي سأله عن أعقِلُها وأتوَكَّلُ أو أطلِقُها وأتوَكَّلُ ؟ قالَ (صلى الله عليه وسلم) : اعقِلها وتوَكَّلْ  ” ، فالتوازن بين الأخذ بالأسباب والتسليم بقضاء الله وقدره لا يقف عند حدود عقل الناقة مع حسن التوكل ، إنما يشمل كل جوانب الحياة ، فعلى الطالب أن يجتهد في مذاكرته ثم يحسن التوكل على الله (عز وجل) في أمر نتيجته ، وعلى الزارع أن يأخذ بأسباب العلم في زراعته ويحسن القيام عليها ثم يحسن التوكل على الله في نتاجها .

  وفي ظروفنا الآنية في مواجهة فيروس كورونا نقول : ارتد الكمامة وتوكل على الله ، نظف يديك وتوكل على الله ، تجنب المصافحة وتوكل على الله ، حقق التباعد الاجتماعي وتوكل على الله ، خذ بجميع الأمور الاحترازية والإجراءات العلمية والطبية وتوكل على الله  ، وهكذا في سائر الأمور الحياتية ، وبهذا نكون قد فهمنا وحققنا وطبقنا معنى قول نبينا(صلى الله عليه وسلم) ” اعقلها وتوكل ” .

  النموذج الثاني : القصد في المشي ، حيث يقول الحق سبحانه وتعالى على لسان لقمان (عليه السلام) في وصيته لابنه ” يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ  إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا  إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ  إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ ” (لقمان :17-19) .

  فالقصد وهو الاعتدال في المشي لا يقف عند حدود الماشي على قدميه ، إنما يعني القصد في المشي وعدم الاختيال فيه ، سواء أكان الإنسان ماشيًا على قدميه أم سائرًا على دراجته أم راكبًا سيارته ، بل إن الاختيال بالسيارة أشد جرمًا من الاختيال بالمشي على القدمين لما في الثاني كسر نفوس الفقراء ، وأسوأ ما في ذلك أن يصل الاستعلاء بالنفس إلى تجاوز القوانين المنظمة للمرور والسير ، وللمحافظة على حياة الناس ، ومن الحفاظ على حياتك وحياة الآخرين أن تلتزم بالسرعات المقررة وبإشارات المرور و تعليماته وبآدابه وأحكامه دون أن يستعلي على الآخرين بسيارتك الفارهة أو بدراجتك .

 والحق سبحانه وتعالى يقول :” وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا ” ، فالغاية والمقصد إنما هو النهي عن التكبر على خلق الله والاستعلاء عليهم بأي نوع من أنواع الاستعلاء ، والمشي في الآية هنا ليس مقصودًا به مشي القدمين ، وإنما المقصود به النهي عن مطلق الاختيال والعجب والغرور بالنفس ، وقد سئل فلان ما السيئة التي لا تنفع معها حسنة ؟ قال : الكبر  يقول الشاعر :

تواضعْ تكنْ كالنجمِ لاحَ لناظرٍ

على صفـحات الماء وهو رفيع

ولا تــكُ كالدخّان يـرفع نفسه

إلى طبـقات الجوّ وهو وضـيع

 وختامًا نؤكد على أهمية فهم مرامي النصوص ومقاصدها لا أن نكون كمن يقفون عند   ظواهر النصوص  لا يتجاوزن  الظاهر الحرفي لها  ، فيقعون  في العنت والمشقة على أنفسهم وعلى من يحاولون حملهم على هذا الفهم المتحجر  .

مقالات ذات صلة