قيام الليل في زمن الجوائح

  يقول رب العزة عز وجل : “إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آَخِذِينَ مَا آَتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ” (الذاريات : 16-18) ، ويقول سبحانه : ” أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ” (الزمر : 9) ، ويقول سبحانه : “تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ” (السجدة : 16 و 17) ، وعن أبي أمامة الباهلي (رضي الله عنه) قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): “عَلَيْكُمْ بِقِيَامِ اللَّيْلِ ، فَإِنَّهُ دَأْبُ الصَّالِحِينَ قَبْلَكُمْ ، وَهُوَ قُرْبَةٌ إِلَى رَبِّكُمْ ، وَمَكْفَرَةٌ لِلسَّيِّئَاتِ ، وَمَنْهَاةٌ لِلإِثْمِ ” (صحيح مسلم).
وكان سعيد بن المسيب (رحمه الله) يقول : “إنَّ الرجل ليقوم الليل، فيجعل الله في وجهه نورًا ، يحبه كلُّ مسلم ، فيراه من لم يره قط ، فيقول : إني أحبّ هذا الرجل”، وسُئل الحسن البصري (رحمه الله) : ما بال المتهجدين بالليل من أحسن الناس وجوهًا؟! فقال : لأنهم خلوْا بالرحمن فألبسهم من نوره .
وإذا كان قيام الليل محمودا على كل حال فإنه أعظم أجرًا وثوابًا في هذا الشهر العظيم شهر رمضان ، حيث يقول نبينا (صلى الله عليه وسلم) : ” مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ” (صحيح البخاري) ، ويقول (صلى الله عليه وسلم) : “مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ “(صحيح البخاري) ، والمؤمن الحقيقي تعلو همته في قيام الليل في العشر الأواخر من رمضان اقتداء بسيدنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الذي كان إذا دخل العشر الأواخر من رمضان أيقظ أهله ، وأحيا ليله ، وجدَّ ، وشد مئزره ، اجتهادًا منه (صلى الله عليه وسلم) في العبادة في هذا الشهر الكريم وتلك الأيام المباركة.
وإذا كان قيام الليل مطلوبًا على كل حال فإننا أحوج ما نكون إليه في زمن الجوائح والشدائد قربة وتضرعًا إلى الله (عز وجل) ، ورجاء في عميم فضله أن يرفع البلاء عن البلاد والعباد .
وليس لأحد أن يتعلل بتعليق صلاة الجماعة في التراويح أو غيرها ، فقيام الليل لا يشترط أن يكون في المسجد , فقد ذهب جمهور أهل العلم إلى استحباب صلاة النافلة في البيت ، وأفرد الإمام مسلم في صحيحه في كتاب المساجد بابًا لاستحباب صلاة النافلة في البيت ، تحت عنوان : “باب استحباب النافلة في بيته وجوازها في المسجد”.
وعلينا أن نتأمل في فقه العنوان الذي أضفى صفة الاستحباب على صلاة النافلة في البيت وصفة الجواز على صلاتها في المسجد ، وذلك لقول نبينا ( صلى الله عليه وسلم ) الذي أخرجه الشيخان ؛ البخاري ومسلم في صحيحيهما عن سيدنا زيد بن ثابت (رضي الله عنه) ، أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال : ” فَإِنَّ خَيْرَ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ ” ، والحديث في أعلى درجات الصحة.

مقالات ذات صلة