المتاح والمباح

     من رحمة الله (عز وجل) أن شعائر الإسلام قائمة على المتاح والمباح , حيث يقول الحق سبحانه : ” لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا” (البقرة : 286) , ويقول سبحانه في شأن الحج : ” وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا” (آل عمران : 97) , ويقول سبحانه في شأن الصوم : ” فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ” (البقرة : 184) , ويقول سبحانه : “وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ” (البقرة : 184) قال بعض المفسرين : أي على الذين لا يطيقون الصيام فدية طعام مسكين , وقال بعضهم المراد : على الذين يطيقونه بمشقة بالغة أو غير محتملة , ويقول سبحانه في شأن الإنفاق : ” لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا ” (الطلاق : 7) ، فالدين قائم على اليسر ورفع الحرج , حيث يقول الحق سبحانه : ” يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ” (البقرة : 185) , ويقول سبحانه : “وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ” (الحج : 78) .

   ففي المتاح والمباح سعة بالغة , غير أن بعض الناس دون أن يؤدي المتاح والمباح لا يتعلق إلا بالمتعذَّر , وكأنه يبحث عن شماعة ليعلق عليها تقصيره , ففي حالة تعليق الجمع والجماعات للضرورة والمصلحة المعتبرة شرعًا هل واظبنا جميعًا على صلاة الفجر في وقتها في منازلنا ؟ وهل حرص من يفترشون بعض الطرقات لصلاة الجماعة – بالمخالفة للمصلحة الشرعية والمعتبرة ويعرضون أنفسهم وغيرهم لخطر انتشار العدوى – على قيام جزء من الليل والتضرع إلى الله برفع البلاء عن البلاد والعباد ؟ وهل حرصوا على الأخذ بأساليب الوقاية والنظافة المطلوبة وهي الآن عبادة ؟ .

   وهل تخلينا جميعنا عن كل الصفات السلبية من الكذب والغيبة والنميمة وخلف الوعد وشهادة الزور وأكل الربا وأخذ ما ليس للإنسان بحق وتجنبنا الاحتكار والاستغلال والمتاجرة بالأزمات ؟ .

   وهل تحلينا بكل الصفات الحميدة من الصدق والأمانة وصلة الرحم والتكافل والإيثار والإكثار من الصدقات ومساعدة المحتاجين , وسائر أخلاق الإسلام , وأخذنا بقول نبينا (صلى الله عليه وسلم) : ” حَصِّنُوا أَمْوَالَكُمْ بِالزَّكَاةِ ، وَدَاوُوا مَرْضَاكُمْ بِالصَّدَقَةِ ، وَأَعِدُّوا لِلْبَلاءِ الدُّعَاءَ ” ؟ .

    هذا عن المتاح أما المباح فلولي الأمر أن يقيده للضرورة أو للمصلحة , فإن قيده وجب الالتزام بالقيد ويشمل ذلك الحجر الذاتي , والحجر الصحي , وتعليق الجمع والجماعات ، والعمرة والحج ونحو ذلك .

فشتان بين من يعبد الله وفق مراد الله وبين من يعبد الله وفق هواه هو , فمن كانت نيته لله ورسوله كان وقَّافًا عند حدود الله (عز وجل) وإن خالف ذلك نفسه وهواه , فحيث يكون الحكم الشرعي يكون الوقوف عنده والنزول عليه .

فالمؤمن من يعبد الله وفق مراد الله , وحيث يكون شرع الله , سواء اقتضت المصلحة أن يصلي في المسجد أم اقتضت الضرورة أن يصلي في بيته , يأخذ بالرخصة حيث يتطلب الأمر الأخذ بها , ويأخذ بالعزيمة حيث يكون المقام لها , أما من يأخذ بالرخصة حيث يتطلب الأمر العزيمة , أو يأخذ بالعزيمة حيث يتطلب الأمر الرخصة , فمفتقد لترتيب الأولويات , وربما أوقعه هواه في الحرج أو الإثم والمعصية.

وقد أكد بيان هيئة كبار العلماء أنه لا يجوز  لأحد مخالفة قرار غلق المساجد سواء كان ذلك بحضور عدد قليل داخل المسجد بعد إغلاقه أبوابه، ثم يصلون الجمعة أو الجماعات من وراء هذه الأبواب المغلقة، أو الصلاة أمام المسجد، أو في الساحات، أو على أسطح البنايات، فكل ذلك خروج صريح على أوامر الله وأحكامه، وخروج على الشريعة وقواعدها ، فما دامت السلطات المختصة قد أصدرت قرارًا بالإغلاق المؤقت للمساجد فلا تجوز مخالفة هذا القرار درءًا للمفاسد المترتبة على المخالفة .

 

مقالات ذات صلة