فقـــه النــوازل

  للأحوال العادية أحكامها ، وللنوازل أحكامها ، والطامة الكبرى في انسداد أفق من لا حظَّ لهم من العلم النافع ، ممن جمدت عقولهم عند حفظ بعض  المسائل أو الأحكام الجزئية دون أن يلموا بشيء من فقه الأولويات أو فقه النوازل ، ولم يفقهوا شيئًا من قضايا الاستحسان والاستصحاب ، أو المصالح المرسلة ، أو ما عمت به البلوى ، دون أن يفرقوا بين الكليات والجزئيات ، ودون أن يحسنوا ترتيب الكليات أو المقاصد الضرورية ، ولم يفقهوا مراد الشارع منها ، إنما جعلوا عمدتهم ورائدهم في كل شيء بعض ما حفظوه من بطون الكتب أو ما أخذوه على  يد كبيرهم في الجماعة أو التنظيم ، فيحفظونه وكأنه القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، بل إن أحدهم يجادلك في فهم النص القرآني المقدس ولا يسمح لك أن تراجعه أو تناقشه في كلام شيخه ومرجعه حتى لو كان هو أيضًا لم يفهم كلام من نقل عنه على وجه صحيح ، لأن الولاءات التراتبية في هذه الجماعات لا تسمح بالنقاش أو المراجعة أو الحوار العقلي .

  وللأسف الشديد لا يزال هناك متحجرون يقفون عند ظواهر النصوص لا يتجاوزون الظاهر الحرفي لها إلى فهم مقاصدها ومراميها ، فيقعون في العنت والمشقة على أنفسهم وعلى من يحاولون حملهم على هذا الفهم المتحجر ، دون أن يقفوا على فقه وفهم مقاصد السنة النبوية المطهرة المشرفة ، بما تحمله من وجوه الحكمة واليسر ، وما لو أحسنا فهمه وعرضه على الناس لغيرنا تلك الصورة السلبية التي سببتها أو سوقتها الأفهام والتفسيرات الخاطئة للجماعات الإرهابية والمتطرفة والمتشددة ورؤى أصحاب الأفهام السقيمة الجامدة المتحجرة على حد سواء , ورحم الله الحسن البصري حين قال : “إنّ قوما طلبوا العبادة وتركوا العلم حتّى خرجوا بأسيافهم على أمّة محمّد (صلّى الله عليه وسلّم) ، ولو طلبوا العلم لحجزهم عن ذلك”, فنحن في حاجة إلى خطاب ديني مستنير يرتكز على فهم المقاصد العامة للشرع الحنيف .

  وقد أكد العلماء والفقهاء والأصوليون على أهمية فهم المقاصد العامة للتشريع, فهي الميزان الدقيق الذي تنضبط به الفتوى ومسيرة تجديد الخطاب الديني معا , فقد أكد كثير من أهل العلم المعتبرين أن الأحكام في جملتها بنيت على جلب المصلحة أو درء المفسدة أو عليهما معا .

  والذي لا خلاف فيه أن الحفاظ على النفس البشرية أحد أهم المقاصد الضرورية التي حث الشرع الحنيف على المحافظة عليها ، فأباح للمضطر أن يأكل من الميتة المحرمة شرعًا بما يحفظ به أصل النفس ، وكذلك لو أشرف على الهلاك ولم يجد سوى رشفة خمر لا تحفظ حياته إلا بها ، وكذلك من أكره على الكفر وخشي على نفسه الهلاك وقلبه مطمئن بالإيمان ، حيث يقول الحق سبحانه : “إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ “(النحل : 106) .

  كل ذلك يأتي للحفاظ على قوام النفس الإنسانية ، وفي هذا السياق وفي ضوء هذه المعاني مجتمعة كان قرار إغلاق المساجد وقت انتشار أي وباء حفاظًا على نفس الساجد ، وكان إلغاء أي بعثة حج على نفقة وزارة الأوقاف هذا العام ، وتوجيه ما كان مخصصًا لذلك للمتضررين من آثار فيروس كورونا وللأسر الأولى بالرعاية ، ولا سيما من فقدوا فرصة عملهم من العمالة غير المنتظمة من عمال اليومية ومن في حكمهم من العاملين بالمجالات التي تأثرت بالظروف الحالية ، لأن الحفاظ على النفس البشرية وحفظ كرامتها وإنسانيتها مقدم على حج النافلة أو أداء العمرة .

مقالات ذات صلة