آخر الأخبار

تجديد الفكر الديني

  يقوم منهجنا العقدي على الإيمان بالتنوع والاختلاف ، وأن الاختلاف سنة من سنن الله الكونية ، حيث يقول الحق سبحانه وتعالى : {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ}، هذا التنوع يجعلنا نؤمن بأنه لا حمل على المعتقد ولا إكراه على المعتقد ولا قتل على المعتقد، وإذا كان المنهج الإسلامي لا يحمل الناس كرهًا ولا عنتا على أصل الدين فمن باب أولى ألا نحمل الناس عنتا على فروعه، وبمفهوم المخالفة إذا كنا نتيح للآخرين حرية المعتقد في أصله فمن باب أولى أن يتاح لهم حرية إقامة الشعائر، وفي حوار مع بعض المثقفين سألوا : هل القضية هي حرية المعتقد أو حرية إقامة الشعائر؟ فقلنا : إذا سمح الإسلام بحرية الأصل فمن باب أولى أن يُسمح لأصحاب الديانات المختلفة بإقامة شعائرهم.

  فإذا ما انتقلنا إلى جانب الشريعة فهناك ثوابت لا تُمس في جوانب العبادات، وقد جاء من أفعال النبي (صلى الله عليه وسلم) ما يؤكد ذلك حين قال : (صلوا كما رأيتموني أصلي) أو (خذوا عني مناسككم) وهذا من الثوابت التي لا يمكن المساس بها، على أن إنزال الثابت منزلة المتغير هدم للثوابت ، فالنص القرآني وما صح عن سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ثابت مسلَّم مقدس لا مساس به ، والكلام في فهم النص أو فيما كتبه العلماء حول النص، فجانب المتغيرات وهو متسع في كثير من المعاملات وفي بناء نظام الدولة وأنظمة الحكم وما شابه ذلك ، وهذا ابن القيم (رحمه الله) يقول : وَمَنْ أَفْتَى النَّاسَ بِمُجَرَّدِ الْمَنْقُولِ فِي الْكُتُبِ عَلَى اخْتِلَافِ عُرْفِهِمْ وَعَوَائِدِهِمْ وَأَزْمِنَتِهِمْ وَأَمْكِنَتِهِمْ وَأَحْوَالِهِمْ وَقَرَائِنِ أَحْوَالِهِمْ فَقَدْ ضَلَّ وَأَضَلَّ ، فإنزال المتغير منزلة الثابت عين الحمود والتحجر .

 وهؤلاء الفقهاء على الجملة قالوا : نحن اجتهدنا لعصرنا وزماننا وظروفنا فإذا ما جاء زمانكم فانظروا إن وجدتم الأحداث والوقائع والمناط كما هي فهو لنا ولكم، أما إذا تغيرت الظروف أو الأحوال فإجماع أهل العلم على أن الفتوى قد تتغير بتغير الزمان أو المكان أو الحال، وأن ما كان راجحًا في عصر ما أو زمان ما أو بيئة ما أو حالة ما قد يصبح مرجوحًا إذا تغير الزمان أو المكان أو الحال أو البيئة أو الصفة.

  فإذا انتقلنا إلى قضية الأخلاق نجد أنه إذا كانت المقدمات صحيحة أسلمت إلى نتائج صحيحة ، فما الذي أدى إلى تراجع القيم الأخلاقية في كثير من المجتمعات ، ونرى أن ذلك يرجع إلى أن الجماعات الإرهابية والمتطرفة عنيت بالتدين السياسي والتدين الشكلي على حساب الجوهر وأصبح الولاء التنظيمي وقضايا الولاء والبراء مقدما عندهم على كل القيم والأخلاق حتى إنه أصبح في أدبياتهم أن الغاية الكبرى تبرر الوسيلة أية وسيلة كانت ، فشيوخ هذه الجماعات ومنظروها يمكن أن يتقبلوا الكذب أو الافتراء من عناصرهم ما داموا على الولاء التنظيمي.

   ونؤكد أن الصحوة الحقيقية ليست في الشكل الذي حاولت بعض الجماعات أن تفرضه عنوة وكرهًا على المجتمعات في حين أننا نؤكد أن الإسلام لا يحمل الناس كرهًا لا على الأصول ولا على الفروع ، ونؤكد أن كل الآيات التي جاءت في شأن العلم والعلماء هي في مطلق العلم النافع، فعندما قال النبي (صلى الله عليه وسلم) : (من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا ) ، لم يقل من سلك طريقًا يلتمس فيه فقهًا أو تفسيرًا أو حديثًا وإنما أراد مطلق العلم .

  وعندما يقول الحق سبحانه : “فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ ” لم يقل اسألوا أهل الفقه ولا أهل التفسير وإنما قال سبحانه “أهل الذكر” أي أهل الاختصاص ، فنسأل أهل الطب في الطب ، وأهل الصيدلة في الصيدلة وأهل الهندسة في الهندسة .

وعليه نؤكد أن ثواب تعلم الطب لا يقل عن ثواب تعلم الفقه ، وأن ثواب تعلم الهندسة لا يقل عن ثواب تعلم الحديث أو التفسير ، أما أيهما أفضل فحيث تكون حاجة الأمة وحاجة المجتمع تكون الأفضلية .

فصحوة الأمم لا يمكن اختزالها في هذا الشكل الذي تحاول الجماعات أن تفرضه تدينًا شكليًّا مفرغًا من الجوهر والمضمون .

الصحوة الحقيقية يوم أن نملك كلمتنا ، وننتج دواءنا ، وغذاءنا ، وسلاحنا ، ونكون أمة في ركب التقدم بين الأمم هذا هو المفهوم الحقيقي للصحوة .

  الصحوة الحقيقية أن نجد الصدق والأمانة والوفاء وأن نجد صحيح الأخلاق ، وأن نحقق المقصود الأسمى لقول نبينا (صلى الله عليه وسلم) : (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) .

مقالات ذات صلة