آخر الأخبار

التسامح فطرة سوية

    التسامح خلق أصيل ، وفطرة دينية ، وقيمة إنسانية ، والخروج عنه خروج عن قيمة دينية وإنسانية شديدة الأهمية في حياة البشر ، فقد حثنا ديننا الحنيف على السماحة واليسر ، حيث يقول الحق سبحانه وتعالى : ” يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ” ، ويقول سبحانه :” لَا يُكَلِّفُ الله نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا” ، ويقول جل شأنه : ” يُرِيدُ الله أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا ” ، ويقول (عز وجل) : ” خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ” .

  كما عد نبينا (صلى الله عليه وسلم) السماحة والرفق في المعاملات المالية سببًا لرحمة الله للعبد في الدنيا والآخرة يقول (صلى الله عليه وسلم) “رَحِمَ اللَّهُ عَبْدًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ سَمْحًا إِذَا اشْتَرَى سَمْحًا إِذَا اقْتَضَى” ، ويقول (صلى الله عليه وسلم) :”دَخَلَ رَجُلٌ الْجَنَّةَ بِسَمَاحَتِهِ قَاضِيًا وَمُتَقَاضِيًا” ، ويقول (صلى الله عليه وسلم)” إِنَّ الرِّفْقَ لاَ يَكُونُ في شَيْءٍ إِلاَّ زَانَهُ وَلاَ يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ شَانَهُ ” .

  ولقد ضرب (صلى الله عليه وسلم) أروع المثل في السماحة وحسن القضاء ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رَضِيَ الله عَنْهُ) ، قَالَ: كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى النَّبِيِّ (صلى الله عليه وسلم) سِنٌّ مِنَ الإِبِلِ ، فَجَاءَهُ يَتَقَاضَاهُ ، فَقَالَ (صلى الله عليه وسلم) : ” أَعْطُوهُ”، فَطَلَبُوا سِنَّهُ، فَلَمْ يَجِدُوا لَهُ إِلَّا سِنًّا فَوْقَهَا ، فَقَالَ : “أَعْطُوهُ” ، فَقَالَ : أَوْفَيْتَنِي وَفَى الله بِكَ ، قَالَ النَّبِيُّ (صلى الله عليه وسلم) : “إِنَّ خِيَارَكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً” .

  فالتسامح منهج رباني ، ومبدأ من المبادئ التي أمر الحق سبحانه أن يتعاملوا بها فيما بينهم وجعلها سببًا لمغفرته ومرضاته ، يقول تعالى : “وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ الله لَكُمْ وَالله غَفُورٌ رَحِيمٌ”  .

   وهذا المبدأ لا يقف عند حد تعامل المسلمين بعضهم مع بعض فحسب ، بل هو منهج حياة شامل يسع الناس جميعًا ، حيث يقول ربنا سبحانه وتعالى آمرًا عباده المؤمنين بحسن المعاملة مع الناس جميعًا فقال تعالى: ” وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا ” ، ولم يقل سبحانه: وقولوا للمؤمنين أو للمسلمين أو للموحدين حسنًا ، وإنما أمرنا أن نقول ذلك للناس جميعًا ، وأن نخاطبهم ليس بالحسن فحسب بل بالأحسن ، حيث يقول سبحانه : ” وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ” .

   فالدين كله قائم على اليسر ، يقول نبينا (صلى الله عليه وسلم):” إنَّما بُعِثتم مُيسِّرين ولَمْ تُبعثُوا مُعسِّرِين” ، والفقه في الدين وفي الأحكام مبني على التيسير , ولم يقل أحد على الإطلاق: إن الفقه هو التشدد ، غير أننا ابتلينا في العقود الماضية القريبة بأناس جنحوا نحو التطرف متوهمين أن التشدد تحوط ،  مع أن أهل العلم المعتبرين على أن الفقه الحقيقي رخصة من ثقة ، وهو التيسير بدليل حيث يقول الحق سبحانه : ” وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ ” ، ويقول نبينا (صلى الله عليه وسلم) : ” اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا فشق عليهم فاشقق عليه ، ومن ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به ” .

 

مقالات ذات صلة