محكمة العدل الإلهية

  لم نقف هنا أمام محكمة العدل الدولية ولا غيرها من محاكم البشر ، إنما نقف أمام محكمة شعارها :” لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ ” ، ” وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ ” ، ميزانها شديد الدقة ، حيث يقول الحق سبحانه:” وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا   وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا  وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ ” (الأنبياء:47).

  محكمة العدل الإلهية لا مجال فيها على الإطلاق لشهادة الزور ولا لشهود الزور ، حيث يقول الحق سبحانه :” يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يعملون * يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ “(النور24،25)ويقول الحق سبحانه :” الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ” (يس:65) ، ويقول سبحانه :”حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ “(فصلت:20) .

  محكمة لا يستطيع أحد من البشر فيها  النكران أو طمس الأدلة أو إخفاءها ، حيث يقول الحق سبحانه:” يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ ” (لقمان: 16) ، ويقول الحق سبحانه:” وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا  وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا  وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ” (الكهف:49)، والحساب فيها ليس سريًا ، حيث يقول الحق سبحانه:” وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا “وليس بها عضو يمين ولا عضو يسار ، ولا محكمون ولا مترافعون ، ولا أمناء سر ، إنما هو قوله تعالى: ” وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ  وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا  اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا ” (الإسراء: 13،14)، ولا مجال فيها للنقض ، حيث يقول الحق سبحانه:” مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ ” (ق:29) ، ولا أحكام غيابية ، حيث يقول سبحانه:” وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ “(يس:32) ، إذ لا محالة لعدم الحضور أو الهروب منه:” وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ “(ق:21) ، والحكم فيها فوري ،” فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ  فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ  كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ  وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ  وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ  يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ  مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ  خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ  ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ  إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ “(الحاقة:19-32) .

  والذي لا شك فيه أن جميع البشر سيقفون في هذه المحكمة ” وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (الصافات:24)”، وينادي منادي ” لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ “، فتكون الإجابة ” لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ  لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ  إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ” (غافر:17،16)، فالعاقل من يضع هذا اليوم نصب عينيه ، فيحاسب نفسه قبل أن يحاسب ، ويزن عمله قبل أن يوزن عليه ، رجاء النجاة “يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ” .

مقالات ذات صلة