آخر الأخبار

فهم بعض أحاديث النكاح والنسل

    يقول نبينـا (صلى الله عليه وسلم) : (يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ) ، ويقـول (صلى الله عليه وسـلم) : (تَـزَوَّجُـــوا الْوَلُودَ الْوَدُودَ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمْ).

 ففي قوله (صلى الله عليه وسلم) : (يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ …) نلحــظ أن النبي (صلى الله عليـه وسلم) اشترط الباءة التي تشمل القدرة على الإنفاق وتحمل تبعات بناء الأسرة كشرط للزواج, ومن باب أولى فهي شرط للإنجاب , فما بالكم بالإنجاب المتعدد؟! ألم يقل النبي (صلى الله عليه وسلم) : (كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يقوت) .

ولو لم تكن الباءة المقصودة متضمنة القدرة على القيام بجميع تبعات الزواج المالية والاجتماعية ، لما قال (صلى الله عليه وسلم) : (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ) ؛ إذ لو كان الاعتبار بالقوة الجسدية وحدها لاكتفى بقوله (صلى الله عليه وسلم) : (يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ) ، ولما كان هناك حاجة إلى التكميل والتتميم بقوله (صلى الله عليه وسلم) : (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ) .

أما قوله (صلى الله عليه وسـلم) : ( تَـزَوَّجُـــوا الْوَلُودَ الْوَدُودَ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمْ) فيتوجه المعنى إلى الكثرة النافعة المنتجة القوية التي يقول فيها سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : ( المُؤْمِنُ القَوِيُّ خَيرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ المُؤْمِنِ الضَّعيفِ وَفي كُلٍّ خَيرٌ ) ، وهذه القوة التي تشمل سائر جوانب القوة – في الفكر , والثقافة , والمستوى الإيماني ، والتعليمي , والاقتصادي , والعسكري , مع الإخلاص لله (عز وجل) في القول والعمل – هي مناط وموضع المباهاة .

أما الكثرة التي تورث الضعف , أو الجهل , أو التخلف عن ركب الحضارة , والتي تكون عبئًا ثقيلًا لا تحتمله ولا يمكن أن تحتمله أو تفي بمتطلباته موارد الدولة وإمكاناتها , فهي الكثرة التي وصفها نبينا (صلى الله عليه وسلم) بأنها كثرة كغثاء السيل , لا غناء منها ولا نفع فيها , فهي كثرة تضر ولا تنفع .

وهذا كله إضافة إلى حقوق الطفل في الرعاية والإرضاع ، لدرجة أن بعض الفقهاء أطلقوا على اللبن الذي يرضعه الطفل من أم حامل ” لبن الغِيلَة”، وكأن أحد الطفلين اغتال حق أخيه أو أن كلًّا منهما قد اغتال جزءًا من حق أخيه , وكذلك حقه في التربية السوية ، وفي المطعم والملبس والصحة والتعليم.

 

ولا يجب أن يقتصر تناولنا لهذه القضية على الجوانب الاقتصادية إنما يجب أن يبرز إلى جانب هذه الآثار الاقتصادية كل الآثار الصحية والنفسية والأسرية والمجتمعية التي يمكن أن تنعكس على حياة الأطفال والأبوين والأسرة كلها , ثم المجتمع , فالدولة  , حال عدم قدرة الأسرة على الوفاء بحاجة أبنائها ورعايتهم على الوجه الذي يجب , مع تأكيدنا على أن السعة والضيق في هذه القضية لا تقاس بمقاييس الأفراد بمعزل عن أحوال الدول وإمكاناتها وما تستطيع أن توفره من خدمات لا غنى عنها في مجالات الصحة والتعليم والإسكان والطرق والمرافق العامة التي تفي باحتياجات الزيادة السكانية المطردة.

وإن أي عاقل ليدرك أنه إذا تعارض الكيف والكم فإن العبرة تكون بالكيف لا بالكم , وهنا تكون القلة القوية خيرًا ألف مرة ومرة من الكثرة الضعيفة .

 

مقالات ذات صلة