على صفيح ساخن

أ.د/ محمد مختار جمعة
وزير الأوقاف

       لا يمكن لعاقل أو متابع أن ينكر أن المنطقة العربية ومحيطها الإقليمي تموج على صفيح ساخن في مختلف المجالات , وأن ما أصاب كثيرًا من دول المنطقة من فوضى وتدمير يأتي وفق مخطط قٌوى معادية ممنهج للإجهاز على كثير من دولها , ولسنا من هذا الاستهداف ببعيد , غير أن الذي قد لا يفطن إليه كثير من الناس ولا يدركونه ، بل إن بعضهم قد لا يلتفت إليه أصلا ولا يتنبه له , هو أن الحرب العصرية قد غيرت جلدها وثيابها , ولبست لبوسا جديدا , ولم تعد الحروب العسكرية هي المقدمة على نحو ما كانت الجيوش القديمة تتشكل من خمسة ألوية هي : المقدمة ، والمؤخرة ، والميمنة ، والميسرة ، والقلب , وربما مع وحدات استطلاع متقدم وعيون لا تنام مهمتها الجوسسة وجمع المعلومات , ولهذا سمي الجيش قديما بالخميس نظرًا لهذا التقسيم الخماسي , حيث يقول المتنبي :

خَـمِيسٌ بِشَـرقِ الأرضِ والغَربِ زَحفُهُ

وفـــــي أذُنِ الجَـــوزاءِ منــــهُ زمـــازمُ

      أما في العصر الحاضر فقد صارت الوحدات المتقدمة في كل الجيوش العصرية في الدول الأكثر تقدما هي وحدة المعلوماتية ووحدة الحرب النفسية قصد تدمير العدو نفسيًّا قبل تدميره عسكريًّا , وقد تابعنا في الأيام القليلة الماضية من يصرح أو تصرح بأنهم قادرون على تغيير مزاج المصريين , وذلك بالطبع من خلال الشائعات والأكاذيب والافتراءات والأراجيف ، وتشويه الإنجازات وقلب الحقائق , جاهلة أو متجاهلة أن الشعب المصري الذي انكسرت على صلابته أطماع الطامعين عبر التاريخ قديمًا وحديثًا ستتفتت على وعيه الحضاري أراجيف المرجفين , وأنه كما كان عصيًّا على الانكسار العسكري سيكون بفضل الله (عز وجل) وبفضل إيمانه وتاريخه الحضاري العريق , وبفضل المخلصين من أبنائه عصيًّا على الانكسار النفسي , غير أن ذلك يتطلب منَّا جميعًا علماء دين ومفكرين ومثقفين وإعلاميين وكتابًا وجامعيين ونوابًا ومجتمعًا مدنيًا أن نكون على مستوى التحدي , وأن يؤدي كل منَّا دوره ورسالته في الدفاع عن وطنه , مؤكدين أن الدفاع المتقدم هو الدفاع الفكري أو ما يعرف بالأمن الفكري ، وألا ننساق خلف الشائعات المغرضة ، فضلا عن أن نسهم بقصد أو بدون قصد في ترويجها بتشييرها ، أو تكرارها ولو على سبيل التندر ، بل علينا أن نتحقق ونتريث ونتثبت كما أمرنا القرآن الكريم ، حيث يقول الحق سبحانه : ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ “(الحجرات : 6) ، وحيث يقول نبينا (صلى الله عليه وسلم) : (كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع) ، ويقول (صلى الله عليه وسلم) : ” إنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ تَعَالى مَا يُلقِي لهَا بَالًا يَرْفَعُهُ اللَّه بهَا دَرَجاتٍ، وَإنَّ الْعبْدَ لَيَتَكلَّمُ بالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ تَعالى لا يُلْقي لهَا بَالًا يهِوي بهَا في جَهَنَّم  ” (رواه البخاري) ، فالكلمة الخبيثة قد تدمر فردًا أو أسرة أو أمة أو تهدم دولة ولو كانت مجرد فضفضة ، فعندما سأل سيدنا معاذ بن جبل نبينا (صلى الله عليه وسلم) : وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟! فقال: “ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكُبُّ الناسَ في النار على وجوههم – أو قال: على مناخرهم – إلا حصائدُ ألسنتهم” (رواه الترمذي) ، فما من كلمة تخرج إلا ويلتقطها أحد ملكين إما ملك الحسنات أو ملك السيئات ، حيث يقول الحق سبحانه : ” مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ “(ق : 18) ، ويقول سبحانه :  ” إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ * وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ * يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ “(النور : 14-17) .

مقالات ذات صلة