المنهج العقلي

      المنهج العقلي ليس مقابلا للمنهج النقلي ، وليس مناقضًا له ، ولا يمكن أن يكون ، فالعلاقة بين العقل والنقل علاقة تكامل وليس علاقة تضاد ، بل إن الشرع الشريف يجعل العقل مناط التكليف والشرط الرئيس له ، وقد دعانا القرآن الكريم إلى استخدام العقل ، وإلى التدبر والتأمل فقـد ميز الله (عز وجل) الإنسان عن سائر الخلق بالعقل والفكر والتأمل والتدبر والتمييز ، ونعى على من أهملوا هذه النعم ولم يوفوها حقها ، فقال (سبحانه) : ” أَفَلَا يَعْقِلُونَ” (يس: 68) ، وقال تعالى: ” أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ” (الأنعام: 5). ويقول (سبحانه) : ” إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّأُولِي النُّهَى” (طه: 54)، ويقول (عز وجل) : ” وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ” (العنكبوت: 43) ، ولما نزل قوله تعالى : ” إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ” (آل عمران: 190) , قال نبينا (صلى الله عليه وسلم):  “ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها” (رواه ابن حبان في صحيحه).

     ولا نجد أي مشكلة على الإطلاق في تلقي ثابت النقل من كتاب وسنة غير أن المشكلة الحقيقية هي في مدى فهم هذه النصوص على وجهها الصحيح , وفي مناط تطبيقها , وفي تنزيلها على الواقع , فهناك أسئلة يديرها العقل حول النقل , هل قال ؟ من قال؟ ماذا قال ؟ لماذا قال ؟ كيف نطبق ما قال ؟ فالسؤال الأول متعلق بمدى ثبوت القول وصحته , بمعنى هل هناك نص أصلا في المسألة أو لا ؟ وإن كان هناك نص فهل هو نص ثابت من كتاب أو سنة أو نص متغير من كلام الصحابة أو التابعين أو أهل العلم ؟ ويأتي السؤال الثالث ماذا قال ؟ متعلقا بفهم النص فإن كان من كتاب الله (عز وجل) فلا بد من استخدام أدوات فهمه , وإن كان من سنة سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لزم جمع طرق الحديث ورواياته المتعددة والترجيح أو الجمع بينهما عند اختلاف الرواية , وفق القواعد المعمول بها لدى أهل العلم في ذلك.

    ثم يأتي السؤال الرابع لماذا قال ؟ باحثا في العلة والمقصد , فإطلاق الأحكام الفرعية دون النظر إلى العلل والمقاصد أمر في غاية الخطورة بل إنه قد يؤدي إلى الإطلاق الخاطئ للأحكام , ويكون سبيلا للجمود والتطرف في الفهم عند من يقفون عند مجرد ظواهر النصوص دون سبر أغوار مقاصدها ومراميها .

      ثم يأتي السؤال الأهم , كيف نطبق ذلك ؟ بما يشمل ظروف الواقع ومستجداته ومناط التطبيق وتنزيل الحكم على مناطه وليس على غير محله.

     على أن استخدام المنهج العقلي لا يقف ولا ينبغي أن يقف عند الجوانب المتعلقة بالخطاب الديني , فإننا نحتاج إلى اعتماد المنهج العقلي كمنهج حياة عام ومنطلق عام للتفكير , فنتحول من مناهج الحفظ والتلقين إلى مناهج الفهم والتحليل والنظرة النقدية الثاقبة , كما ننظر بعين فاحصة ناقدة لما يلقى علينا من أخبار , فندقق في الأمر تبينًا وتثبتًا استجابة لقول الحق سبحانه وتعالى : “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ” (الحجرات : 6) , وقول نبينا (صلى الله عليه وسلم) : ” كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُحَدِّث بِكُلِّ مَا سَمِعَ” (صحيح مسلم).

مقالات ذات صلة