العلماء والحكاءون

    إطلاق كلمة عالم على شخص لم يستوف مقومات العلم ولَم يمتلك أدواته شيء خطير ، ربما يصل إلى حد الجناية على العلم أو في حقه ، العالم عالم ، والفقيه فقيه ، والمؤرخ مؤرخ ، والواعظ واعظ ، والنسابة نسابة ، وقد ظهر على مدار تاريخنا الطويل طوائف من الوعاظ ، والوعاظ البكائين ، ومن القصاص ، والحكائين ، والمنشدين ، والقراء ، وقد ميز عصورهم أن ظل العالم عالما ، والفقيه فقيها ، والواعظ واعظا ، والقارئ قارئا ، والكاتب كاتبا ، والمنشد منشدا ، لم يتقمص أحد منهم شخصية غيره ولَم يحاول أن يغتصب دوره ، وعرف الناس قدر هذا وذاك ، وطلب كل منهم من يحب ، فمن أراد العلم لزم مجالس العلماء ، ومن استهواه الوعظ صار خلف الوعاظ ، ومن أطربه الإنشاد ارتاد حلقات المنشدين .

   غير أن مقام الإفتاء ظل بعيد المنال مرفوع الراية ، له أهله ورجاله ، حتى ظهرت جماعات التطرّف والإرهاب فادعى أدعياؤها كل شيء ، بل حاولوا احتكار كل شيء ، يعملون على تشويه كل الرموز عدا رموز عصابتهم ، ويعملون على استقطاب ضعاف النفوس من جهة ، ويجندون عناصرهم من أشباه أو أشباح طلاب العلم من جهة أخرى ، محاولين تسويقهم على أنهم العلماء الربانيون أو الدعاة الجدد ، ولا أدري ما مفهوم الربانية عندهم ومن الذي أفردهم أو اختصهم بهذا الوصف ، كما لا أدري ما يعنون بوصفهم الدعاة الجدد ، أيعنون شكل ونوع  الثياب واللباس والمظهر أم يعنون الخروج عن العربية إلى العامية ، أم يعنون شيئا آخر لا نعلمه ولا نعرفه من  أسرار هذا الوصف  ، وكأنه لغز .

   غير أن الذي ينبغي أن ننبه إليه أمور ، من أهمها : ضرورة احترام الضوابط الشرعية والقانونية ، فلا يفتئت أحد على حق الدولة في تنظيم شئونها ومنها الشأن الديني وما يتصل به من ضوابط إقامة الجمع والدروس والندوات وما ينظمه القانون في ذلك منضبطا بضوابط الشرع ، ومنها ضرورة أن بكون المتحدث في الشأن الديني متخصصا وحاصلا على الدراسات الشرعية المتخصصة التي تؤهله للحديث في الشأن الديني وفِي ضوء ما ينظمه القانون أيضا ، ومنها ألا يكون المتحدث في الشأن الديني منتميا أو محسوبا أو متعاطفا مع أي من الجماعات المتطرفة أو المتشددة أو المتاجرة بدين الله (عز وجل) ، ومنها أن يكون المتحدث في الشأن الديني ملما بواقع العصر زمانا ومكانا وملما بأحوال الناس وواقع حياتهم وتحديات العصر ومستجداته ، مدركا أن الفتوى قد تغيير بتغير الزمان والمكان والأحوال ، قادر على التفرقة بين الثابت المقدس والمتغير غير المقدس ، ملما بفقه المقاصد ، وفقه المآل ، وفقه الأولويات ، وفقه الموازنات، وطرائق الاستنباط والقياس ، وغير ذلك مما ينبغي للمتحدث في الشأن الديني الإلمام به ، ثم عليه قبل ذلك كله إخلاص النية لله (عز وجل) ، وعدم اتخاذ  العلم وسيلة للمتاجرة بدين الله (عز وجل) وعدم توظيفه لصالح جماعة أو أية مصالح نفعية ، مع عدم إدراك الجميع للفروق الدقيقة بين مهمة الواعظ ومهمة العالم ومجالات الحكائين والبكائين .

مقالات ذات صلة