آخر الأخبار

العلم المطلق والعلم النسبي

أ.د/ محمد مختار جمعة
وزير الأوقاف

  العلم المطلق لله وحده ، فهو وحده علام الغيوب ، حيث يقول سبحانه : “عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا ” ، ويقول سبحانه : “وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ  وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ” ، ويقول سبحانه : “إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ” ، وإذا كان هناك من يقول إن الأطباء الآن يستطيعون معرفة نوع الجنين قبل مولده ، نقول هذا نوع من العلم النسبي ، فالطبيب قد يعرف شيئًا يسيرًا  عن الجنين كحجمه أو نوعه ونحو ذلك ، لكنه لا يعرف كل شيء عن الجنين ، حتى وإن تقدم الطب وعرف أشياء أكثر ، فإن علم الأطباء يظل نسبيًّا محصورًا إلى جانب علم الله (عز وجل) الشامل الذي يعرف كل ما في الأرحام ، وكل شأن من شئونها ، يقول سبحانه: ”  وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ  ” ثم علينا أن نكمل الآية ” ومَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ “، فمن ذا الذي يمكن أن يعرف متى وأين يموت ؟ ، فعلم الله مطلق ، وعلم الخلق نسبي .

 على أن الله (عز وجل) قد منَّ على بعض خلقه بشيء من العلم اللدني ، حيث يقول سبحانه في شأن الخضر  (عليه السلام) : ” فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا ” ، ويقول سبحانه في شأن سيدنا سليمان (عليه السلام) : ” فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ  وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا  ” ، ويقول سبحانه :” يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ  وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا ” ،  على أن ذلك كله يظل في إطار قوله تعالى :” وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا” .

  أما العلم النسبي الكسبي فيأتي بالتعلم والتقوى حيث يقول سبحانه:” وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ” ويقول نبينا (صلى الله عليه وسلم): ” من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين، وإنما أنا قاسم والله معط”  ، وقد قالوا : أعط العلم كلاّ يعطك العلم بعضًا ، فإن أعطيت العلم بعضًا لم يعطك العلم شيئا ، فالعلم بالتعلم ، والفقه بالتفقه ، ولا بد لهما من صبر واحتمال ، يقول الشاعر :

ومنْ لم يذق مرَّ التعلمِ ساعة ً

تجرَّعَ ذلَّ الجهل طولَ حياته

  وقد حثنا ديننا الحنيف على طلب العلم وأعلى من شأنه وشأن العلماء ، حيث يقول الحق سبحانه : ” قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ ” ، ويقول نبينا (صلى الله عليه وسلم) : ” منْ سَلَكَ طَريقًا يَبْتَغِي فِيهِ علْمًا سهَّل اللَّه لَه طَريقًا إِلَى الجنةِ، وَإنَّ الملائِكَةَ لَتَضَعُ أجْنِحَتَهَا لِطالب الْعِلْمِ رِضًا بِما يَصْنَعُ، وَإنَّ الْعالِم لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ منْ في السَّمَواتِ ومنْ فِي الأرْضِ حتَّى الحِيتانُ في الماءِ، وفَضْلُ الْعَالِم عَلَى الْعابِدِ كَفَضْلِ الْقَمر عَلى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، وإنَّ الْعُلَماءَ وَرَثَةُ الأنْبِياءِ وإنَّ الأنْبِياءَ لَمْ يُورِّثُوا دِينَارًا وَلا دِرْهَمًا وإنَّما ورَّثُوا الْعِلْمَ، فَمنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحظٍّ وَافِرٍ ” .

مقالات ذات صلة