آخر الأخبار

فقه بناء الدول

    قوة الدولة قوة لجميع أبنائها , قوة للدين , وقوة للوطن , وقوة للأمة , وقد قالوا : رجل فقير في دولة غنية قوية خير من رجل غني في دولة ضعيفة فقيرة , لأن الأول له دولة تحمله وتحميه في الداخل والخارج , والآخر لا ظهر له ولا أرض ولا مال له لا في الداخل ولا في الخارج , ومن ثمة كان بناء الدولة وتقوية مؤسساتها مطلبا شرعيا ووطنيا وحياتيا لجميع أبنائها , وبقدر إيمان كل منهم بحق الوطن , وقوة انتمائه إليه , وعطائه له , واستعداده للتضحية من أجله , تكون قوة الوطن , وبقدر اختلال هذا الانتماء وذلك العطاء , والنكوص عن التضحية بالنفس أو بالمال يكون ضعف الدول أو انهيارها أو سقوطها أو تمزقها .

    على أن مسألة بناء الدول ليست أمرًا سهلا أو هينا , إنما هي عملية شاقة شديدة التعقيد , تحتاج إلى خبرات كبيرة , وإرادة صلبة , وعمل دءوب , ورؤية ثاقبة في مختلف المجالات والاتجاهات التي تعزز قوة الدولة , والحفاظ على أمنها واستقرارها .

   قضية بناء الدول تتجاوز كل دوائر الهواية بمراحل , إنها سلسلة متشابكة ومعقدة من الخبرات المتراكمة , إنها القدرة على سرعة قراءة الواقع وفهم تحدياته وفك شفراته وحل طلاسمه, والتعامل معه على أسس علمية ومنطقية في ضوء الخبرات المتراكمة .

   وعندما ننظر في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة نجد أنهما يؤكدان على ضرورة توفر الكفاءة والكفاية والأمانة , حيث يقول الحق سبحانه في كتابه العزيز على لسان سيدنا يوسف (عليه السلام) لعزيز مصر : “اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ” , ويقول سبحانه على لسان ابنة شعيب لأبيها في شأن سيدنا موسى (عليه السلام) : “يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ” , ولما طلب سيدنا أبو ذر من سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أن يستعمله , قال له (صلى الله عليه وسلم) : “يا أبا ذر إنك ضعيف وإنها أمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها” , وقال (صلى الله عليه وسلم) : “إِذَا وُسِّدَ الأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ” , وأهل الأمر هم أهل الكفاءة والأمانة معا .

    ونلاحظ أن نبينا (صلى الله عليه وسلم) في رحلة الهجرة استأجر دليلا غير مسلم معروفًا بكفاءته وأمانته , ولم يعتمد على أحد من الصحابة الكرام رغم شدة أمانتهم جميعا, ولا شك أن بعضهم كان على دراية بدروب الصحراء ومسالكها , على أن فارق الكفاءة هو الذي قدم الدليل غير المسلم عليهم , وهو –أيضا- ما فعله سيدنا عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) في استخدام بعض كُتَّاب بيت المال وكُتَّاب الدواوين .

   كما أنه لا بد من العناية بشأن القيم الأخلاقية والإنسانية في بناء الدول ,  فالأمم التي لا تقوم ولا تبنى على القيم والأخلاق إنما تحمل عوامل سقوطها في أصل بنائها وأسس قيامها ، فما بالكم وديننا دين القيم والأخلاق؟! وبعثة رسولنا (صلى الله عليه وسلم) كان الهدف الأسمى منها هو إتمام مكارم الأخلاق ؟ حيث يقول (صلى الله عليه وسلم) : (إِنَّمَا بُعِثْتُ لأُِتَمِّمَ مَكَارِمَ الأَْخْلاَقِ) .

   وختاما نؤكد أن مصالح الأوطان من صميم مقاصد الأديان ، وأن كل ما يدعم ويقوي الدولة الوطنية هو من صميم مقاصد الأديان ، وأن كل  ما ينال من قوة الدولة أو كيانها إنما يتنافى مع كل الأديان والقيم الوطنية والإنسانية .

 

 

مقالات ذات صلة