آخر الأخبار

خلوة الذاكرين

    ذْكرُ الله (عز وجل) تطمئن به القلوب ، وتصفو وتزكو به النفوس ، حيث يقول الحق سبحانه وتعالى : “الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ” (الرعد : 28) ويقول سبحانه : ” فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ  ” ، ويقول سبحانه : ” إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ* الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ” ، ويقول سبحانه : ” إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ” ، ويقول نبينا (صلَّى الله عليه وسلم): “يقول الله (عزَّ وجلَّ) : “أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حين يذكرني ، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأٍ هُمْ خير منهم” (رواه البخاري)، ويقول (صلى الله عليه وسلم) : “ومَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ، ويتَدَارسُونَه بيْنَهُم ، إِلاَّ نَزَلتْ علَيهم السَّكِينَة، وغَشِيَتْهُمْ الرَّحْمَة، وَحَفَّتْهُم الملائِكَةُ، وذَكَرهُمْ اللَّه فيِمنْ عِنده” (رواه مسلم) .

  خُلوة الذاكرين أُنس بالله ، فما أجمل أن تكون معه ، وأن تأنس بخلوتك إليه ، وأن تجد في  خلوتك  أسمى معاني الأنس به ، لا فرق عندك بين النور والعتمة ، فنوره سبحانه يغمر قلبك ويعمره ويكفيك ، ويا له من فيض كرم أن تكون لحظات سعادتك ودفئك هي لحظات خلوتك وانقطاعك إليه، وفراغ قلبك له ، فإني لأكاد أجزم أنها أول درجة في سلم اليقين ، وأول أنس لك تلقاه في أولى خطوات الوحدة والإفراد من المال والجاه والولد ، فقد عودتها ذلك  ودربتها عليه من قبل أن تحمل عليها حملا ، فاجعل لنفسك من الأنس نصيبا اليوم لتراه فرطا لك في أول منازل الآخرة ، وكن له يكن لك ، واكتف به يكفك ، واستعن به يعنك ، واستغن به يغنك غنى حقيقيا لا فقر معه ولا بعده ، وإذا كانت مخالطة الناس أمرًا لا بد منه ، ولا غنى عنه لعمارة الكون وصناعة الحضارات ، كون الحياة قائمة على التعارف والتعاون والتكامل ، فإن الإنسان بين الحين والحين قد  يحتاج إلى شيء من الخلوة لمراجعة النفس ومحاسبتها قبل أن تحاسب .

      وكما أن للمخالطة آدابها مع الخلق فإن للخلوة آدابها مع الخالق (عز وجل) ، بحيث يستحضر الإنسان ويستشعر عظمة خالقه (سبحانه) ، فيتأدب بحسن الأدب مع الله (عز وجل) ، ظاهرا وباطنا ، شكلا ومضمونًا، روحا وحسا وجوارح ، فمن أحسن التأدب مع الله (عز وجل) في الخلوة أعانه ذلك على حسن الأدب مع الخلق بلا شطط ولا زلل .

    وقد تأملت مكانا تعودت تأمله فرأيته ذات ليلة موحشا ، ليس ببهائه وجماله الذي غالبا ما أراه عليه ، والدنيا هي هي لم تتغير ،  ولوحات الإضاءة هي هي لم تنطفئ ، فترويت قليلا ، فوجدت الهلال محاقا ، فأدركت العلة والحكمة ، فنور الخلق عرض وليس عاما ، بل هو في قياس الكون محدود ، وقابل للانقطاع في أية لحظة ، ولا يمكن قياسه أو مقارنته بأية حال إلى جانب أنوار الله (تعالى) ، أما نور الحق فعام ، ولا ينقطع ، إذ لا تحده الأدوات والأسباب ، وليس قاصرا على الحس، فهو يغذو الأبصار والقلوب معا ، وهو الأمان الذي لا خوف معه .

مقالات ذات صلة