تنظيم الحج وترتيب الأولويات

     عندما تضع المملكة العربية السعودية قواعد منظمة لحج النافلة “تكرار الحج” , واشتراط مدة بينية بين الحجة والأخرى فنحن معها , وعندما تضع بعض الدول قواعد تنظم حج النافلة لمواطنيها وفق ما تقتضيه ظروفها فهي أدرى بأحوالها , ما دام الأمر متسعا لمن يريد أداء الفريضة , مع تأكيدنا على الآتي:

أولاً : أن الحج فرض على المستطيع بدنيًّا وماليًّا , وأن حج الفريضة ركن من أركان الإسلام لا يتم إسلام المستطيع للحج إلا به , وعلى القادر على حج الفريضة أن يعجل.

ثانيا : الحج شعيرة دينية يجب تنزيهها كسائر العبادات عن التوظيف السياسي والمصالح الضيقة لبعض الدول أو الجماعات.

ثالثا : أن تكرار الحج من الرغائب والنوافل , وقضاء حوائج الناس من فروض الكفايات , وفروض الكفايات مقدمة شرعا على النوافل.

      على أن فروض الكفايات تشمل إطعام الجائع ، وكساء العاري ، ومداواة المريض , كما تشمل القيام بالمصالح الأساسية للمجتمع التي لا تستقر حياة الناس إلا بها ،  والإسلام علمنا التراحم       والتكافل ، يقول نبينا (صلى الله عليه وسلم ) : ” مَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْلُ ظَهرٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلى مَنْ لا ظَهْرَ لَهُ، وَمَن كانَ لَهُ فَضْلٌ مِن زَادٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَن لا زَادَ لَهُ ” .

       ولاشك أن الوفاء بهذه الاحتياجات واجب كفائي إذا قام به البعض سقط الإثم عن الجميع ، وإن لم يقم به أحد أثم الجميع ، و الواجب الكفائي مقدم بلا شك على النوافل حتى يُقضى ، ثم إنه مسئولية تضامنية بين أبناء المجتمع جميعًا من القادرين على سد الثغرات ورفع الكروب عن المكروبين .

       ولاشك أن نفع قضاء الحوائج متسع ومتعدد ، وقد يكون صدقة جارية في إصلاح طريق أو بناء  جسر أو مشفى أو مدرسة ، ونبينا ( صلى الله عليه وسلم ) يقول : ” إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية ، أو علم ينتفع به ، أو ولد صالح يدعو له ” ، ويقول ( صلى الله عليه وسلم ) : ” من أدخل السرور على مسلم كان حقاً على الله (عز وجل) أن يرضيه يوم القيامة ، ويقول ( صلى الله عليه وسلم): ” ومَنْ كَانَ فِي حاجةِ أَخِيهِ كانَ اللَّهُ فِي حاجتِهِ، ومَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسلمٍ كُرْبةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ بها كُرْبةً مِنْ كُرَبِ يوم القيامةِ “، فهذا كله نفع متعدد أوسع وأرحب من حج النافلة وعمرة النافلة .

      ولاشك أن الفقير عندما يرى الغني يسرف في الحج والعمرة ، ولا يمد يد العون للفقراء والمساكين ،  ولا يسهم في بناء مجتمعه ،  قد ينظر إليه نظرة حقد ، ويلمس جانبًا كبيرًا من الأنانية حتى لو كانت في مجال الطاعة والعبادة ، ويرى أن هذا الغني قد التفت إلى إشباع عواطفه ، ولم ينظر إلى المقاصد  الفقهية للتشريع نظرة متكاملة .

      وذكر لبشر بن الحارث رجل غني كثر صومه وصلاته مع شحه وبخله ، فقال : إنه لمسكين ، لقد ترك حاله ودخل في حال غيره ، إن واجبه إطعام الطعام وبناء الخيام ، فهذا أفضل من تجويعه لنفسه ، ومن  جمعه  للدنيا ومنعه للفقراء.

 

مقالات ذات صلة