الشهيد الحـق

منزلة الشهداء عند ربهم منزلة عظيمة ، فهم مع النبيين والصديقين ، حيث يقول الحق سبحانه: “وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا” (النساء : 69) .

والشهداء أحياء عند ربهم يرزقون ، حيث يقول الحق سبحانه :  ” وَلَا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِن لَّا تَشْعُرُونَ” (البقرة : 154) ، ويقول الحق سبحانه : “وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا  بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ “(آل عمران :  169: 171) ، وروى الترمذي عن جابر بن عبد الله (رضي الله عنهما) أنه قال : لما قُتل عبد الله بن عمرو بن حرام يوم أُحد لقيني رسول الله (صلى الله عليه وسلم) , فقال : “يا جابر , مالي أراك منكسراً ؟ ” قلتُ : يا رسول الله استشهد أبي وترك عِيالاً ودَيْنًا , قال : ” أفلا أبشِّرك بما لقي الله به أباك ؟” قلت : بلى يا رسول الله , قال : “ما كلَّم الله أحداً قطُّ إلا من وراء حجاب , وكلّم أباك كِفاحاً, فقال : يا عبدي تمنَّ عليَّ أُعطِكَ , قال : يا رب تُحيينِي فأُقْتَل فيكَ ثانيةً , فقال الربُّ سبحانه إنه سبق مِنِّي أنهم إليها لا يرجِعُون . قال يا رب , فأبلِغْ مَنْ ورائي , قال : فأنزل الله تعالى : “ولا تحسبنَّ الذين قُتِلُوا في سبيلِ الله أمواتاً , بل أحياءٌ عند ربهم يُرزَقُونَ”.

ومع إيماننا بأن مرجع الأمر في النيات أولاً وأخيرًا لله (عز وجل) فإن الحكم بالظاهر هو أن الشهيد الحق هو من لقي الشهادة في ميدان القتال أو بسببه مدافعًا عن دينه ووطنه وعرضه وتراب وطنه مخلصًا لوجه الله لا لدنيا يصيبها أو لصالح جماعة متطرفة يتبعها ، كما تشمل الشهادة الحقيقية من استشهد في سبيل ذلك أثناء خدمته وأداء مهمته في إطار مؤسسات الدولة المعنية بذلك .

وقد أكدنا وما زلنا نؤكد أن إعلان حالة الحرب والسلم المعبر عنها في العصر الحديث بحالة التعبئة وعند الفقهاء بالجهاد القتالي ، ليست أمرًا متروكًا لعامة الناس ، وإنما هي سلطة الحاكم في ضوء ما يقرر قانون كل دولة ودستورها ، وأنه ليس لأحد أن يخرج للقتال من تلقاء نفسه في غير ما ينظمه القانون والدستور ، وإلا لصار الناس إلى أبواب من الفوضى لا تسد .

وعليه فإن من مات على فراشه أو في بيته أو أي مكان آخر غير ما ذكرنا فإن إطلاق الشهادة عليه لا يخرج عن أحد أمرين : إما أن يكون إطلاق الشهادة عليه من باب المجاز , بأن له منزلة من منازل الشهداء عند ربهم , وذلك لمن مات مبطونًا أو محروقًا أو غريقًا أو نحو ذلك مما وردت به السنة المشرفة كما في الحديث , حيث يقول رسولُ اللَّه (صلى الله عليه وسلم):  “الشُّهَدَاءُ خَمسَةٌ: المَطعُونُ، وَالمبْطُونُ ، والغَرِيقُ ، وَصَاحبُ الهَدْم ، وَالشَّهيدُ في سبيل اللَّه” (متفق عليه).

وإما أن يكون الأمر محصورًا بين التزيد والادعاء والكذب والمتاجرة بالدين ، كهؤلاء الذين اعتادوا الكذب واستحلوه ، فراحوا يكذبون ويزورون ويصفون من مات حتف أنفه على مرأى ومسمع من العالمين بالشهيد كذبًا وافتراء ومتاجرة بالدين .

مقالات ذات صلة