المصلحة في منظور الدولة ومنظور الجماعة

   المصلحة في منظور الدولة هي المصلحة العامة المعتبرة , التي تحقق صالح الوطن وصالح جميع أبنائه , وليست المصلحة الخاصة التي تحقق صالح بعض الأفراد على حساب بعض الجماعات أو الأحزاب على حساب بعض أو على حساب الوطن نفسه.

   أما المصلحة في منظور الجماعة فهي المصلحة التي تحقق صالح الجماعة أو الحزب , بل ربما بلغ الأمر الشطط فصارت المصلحة عندهم هي ما يحقق صالح قيادة الجماعات أو جماعات الحزب , ولو على حساب باقي أفراد الجماعة أو جموع المنتسبين للحزب , فقد تضحي الجماعة ببعض المنتسبين إليها أو المنتمين لها لصالح الجماعة , ولا سيما أن هذه التضحيات لا يمكن أن تكون بالقيادات أو أبنائهم إلا في ضوء التنازع والتناحر وعمليات الإقصاء والإقصاء المضادين بين هذه القيادات في محاولة كل منها الاستئثار بالمغانم , إنما تكون التضحيات دائما بالصفوف المتأخرة في الجماعة.

   وقد تضحي الجماعة بالمصلحة الوطنية العليا إذا تعارضت مع مصلحتها , بل إن كثيرًا من الجماعات ترى أن كل ما يقوي الدولة ليس في صالح الجماعة , وأنه لا مكان لأي جماعة في ظل دولة قوية متماسكة مترابطة , ويجب في منظورهم العمل على إضعاف الدولة حتى يتم التمكين للجماعة.

   وتحاول معظم الجماعات ولا سيما الإرهابية والمتطرفة منها ربط مصالح أعضائها وعناصرها والمنتمين لها بمصالح الجماعة وبخاصة في الجوانب الاقتصادية والاجتماعية, بحيث يصبح الدفاع عن مصلحة الجماعة قضية مصيرية لكل أفرادها , وأن حياة الفرد لا يمكن أن تستقيم خارج جماعته , وأنه لو فكر مجرد تفكير في الخروج من الجماعة لتعرضت جوانب حياته المتعددة للخلل أو الانهيار أو التدمير , ما لم تكن حياته نفسها أيضا مهددة.

    وعليه نؤكد أن بعضًا من الفتاوى الشرعية قد يتوقف الرأي فيها على البعد الوطني , والرؤية الوطنية ، ولا يمكن أن يصدر الرأي الشرعي بمنأى عن مراعاة المصالح الوطنية المعتبرة ، لأن ما يتوفر لدى مؤسسات الدولة المعنية بالملفات الخارجية من اعتبارات ، قد لا يتوفر للمفتي أو العالم ، مع أن المفتي أو العالم يجب أن يلم بسائر جوانب الأمر المطلوب إصدار الفتوى فيه والاعتبارات التي يجب مراعاتها عند إصدار الفتوى ، فمثلا عندما نسأل عن حكم زيارة المسجد الأقصى في ظل وضعه الراهن , فإننا نؤكد أن الفتوى في هذا الأمر ينبغي أن تنبع وتنبثق وتبنى من خلال رؤية جهات الاختصاص , فحيث ترى الجهات المختصة بالشأن الخارجي أم الأجهزة المعنية بالشأن الداخلي أن الزيارة تحقق المصالح المعتبرة تكون الفتوى هنا تابعة لذلك بالإباحة أو الاستحباب وفق طبيعة الظرف وتقدير تبعاته , وعندما ترى هذه الجهات أن الزيارة محفوفة بالمخاطر, وأن الآثار السلبية تفوق الآثار الإيجابية لها يكون الرأي بالمنع , فالفتوى لا يمكن أن تكون منفصلة عن الواقع أو مستقلة عن المصلحة , والمصلحة هنا يقدرها الحاكم أكثر مما يقدرها العالم , ولذا قالوا رأي الحاكم يرفع الخلاف في المختلف فيه , ذلك أنه أدرى بالمصلحة العامة وأكثر إلماما بجوانب الأمر وما يترتب عليه من تبعات.

مقالات ذات صلة