آخر الأخبار

الأم وحقها

أ.د/ محمد مختار جمعة
وزير الأوقاف

إذا كان ديننا الحنيف قد أولى المرأة اهتمامًا خاصًّا : أما ، وبنتًا ، وأختًا ، وزوجًا ، وخالة، وعمة ، وأوصى بكل النساء خيرًا ، وأنصف المرأة أيما إنصاف ، وخلصها من أغلال الجاهلية وظلمها ، حيث كان الأمر قد وصل بأهل الجاهلية إلى وأد بناتهم أحياء ، إذ يقول الحق سبحانه : “وإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ” (النحل : 58-59) ، فإن الإسلام قد أولى الأم ما تستحق من العناية والتكريم ، فعندما سأل رجل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقال : يا رسول الله ، من أحق الناس بحسن صحابتي ؟ ، قال : “أمك”  قال : ثم من ؟ قال : “أمك” ، قال : ثم من؟ قال: “أمك” ، قال : ثم من ؟ قال : ” أبوك “.

وعن السيدة عائشة (رضي الله عنها) قالت: سألت النبي (صلى الله عليه وسلم) أي الناس أعظم حقا على المرأة ؟ قال: (زَوْجُهَا) ، قلت : فأي الناس أعظم حقًّا على الرجل ؟ قال : (أُمُّهُ) ، وعَنْ مُعَاوِيَةَ السُّلَمِيِّ قَالَ : أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي كُنْتُ أَرَدْتُ الْجِهَادَ مَعَكَ أَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ، قَالَ: (وَيْحَكَ ، أَحَيَّةٌ أُمُّكَ؟) قُلْتُ : نَعَمْ ، قَالَ: (ارْجِعْ فَبِرَّهَا) ثُمَّ أَتَيْتُهُ مِنَ الْجَانِبِ الْآخَرِ ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي كُنْتُ أَرَدْتُ الْجِهَادَ مَعَكَ  أَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ ، قَالَ: ( وَيْحَكَ ، أَحَيَّةٌ أُمُّكَ؟) قُلْتُ: نَعَمْ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: (فَارْجِعْ إِلَيْهَا فَبِرَّهَا)، ثُمَّ أَتَيْتُهُ مِنْ أَمَامِهِ ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي كُنْتُ أَرَدْتُ الْجِهَادَ مَعَكَ، أَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ، قَالَ: ( وَيْحَكَ، أَحَيَّةٌ أُمُّكَ؟) قُلْتُ : نَعَمْ ، يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ: (وَيْحَكَ، الْزَمْ رِجْلَهَا، فَثَمَّ الْجَنَّةُ) ، وعَنْ ابْنِ عُمَرَ (رضي الله عنهما) أَنَّ رَجُلاً أَتَى النَّبِيَّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ ، إِنِّي أَصَبْتُ ذَنْبًا عَظِيمًا فَهَلْ لِي تَوْبَةٌ؟ قَالَ : (هَلْ لَكَ مِنْ أُمٍّ؟) ، قَالَ : لاَ ، قَالَ : (هَلْ لَكَ مِنْ خَالَةٍ؟) ، قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ: (فَبِرَّهَا) ، فإذا كان هذا فضل من يبر خالته فما بالكم بمن يبر أمه ؟

وعندما جاء وفد من أهل اليمن على سيدنا عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) سألهم : أفيكم أويس بن عامرٍ ؟ حتى أتى على أويسٍ ، فقال : أنت أويس بن عامرٍ ؟ قال : نعم، قال : من مرادٍ ، ثم من قرنٍ ؟ قال : نعم ، قال : فكان بك برص فبرأت منه إلا موضع درهمٍ؟ قال : نعم ، قال : لك والدة؟ قال : نعم ، قال : سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ، يقول : (يَأْتِي عَلَيْكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ مَعَ أَمْدَادِ أَهْلِ الْيَمَنِ مِنْ مُرَادٍ ، ثُمَّ مِنْ قَرَنٍ ، كَانَ بِهِ بَرَصٌ فَبَرَأَ مِنْهُ ، إِلَّا مَوْضِعَ دِرْهَمٍ لَهُ وَالِدَةٌ هُوَ بِهَا بَرٌّ ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لَأَبَرَّهُ ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَكَ فَافْعَلْ) ، فاستغفِرْ لي، فاستغفر له ، فقال له سيدنا عمر (رضي الله عنه) : أين تريد؟ قال : الكوفة ، قال : ألا أكتب لك إلى عاملها؟ قال : أكون في غبراء الناس أحبُّ إليَّ ، ففي كلام النبي (صلى الله عليه وسلم) إشارة إلى أن استجابة الله (عز وجل) لدعائه كان بسبب بره أمه .

على أنه لا ينبغي أن يقف إكرام الأم عند يوم بعينه وإن كان ذلك رمز وفاء وتذكير بحقها ، فحق الأم عظيم يتمثل في ضرورة إكرامها وتعهدها بالرعاية بداية من الكلمة الطيبة، وانتهاء بكل ما تحتاج إليه بما يعينها على شئون حياتها بعزة وكرامة ، فعندما قال رجل يا رسول الله إن أبي يريد أن يجتاح مالي قال له (صلى الله عليه وسلم) :”أنت ومالك لأبيك” ، وإذا كان ذلك في شأن الأب فما بالكم بحق الأم التي قدمها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في حديثه الشريف على الأب ثلاث مرات ، ناهيك عن نهي القرآن الكريم عن التعرض لها بما يمس شعورها ولو كان مجرد نفَسٍ تلمح منه شيئًا من أدنى درجات التأفف حيث يقول الحق سبحانه : “وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا”(الإسراء : 23) .

فإن لم تكن الأم أحق بالوفاء فمن يكون إذًا ؟ مَن يكون أحق بالوفاء ممن حَملتك في بَطنهَا تِسْعَة أشهر كَأَنَّهَا تسع حجج ، وكابدت عِنْد وضعك مَا يذيب المهج ، وأرضعتك من ثديها لَبَنًا ، وغسلت بِيَمِينِهَا عَنْك الْأَذَى ، وآثرتك على نَفسهَا بالغذاء ، وِإن أَصَابَك مرض أَو شكاية أظهرت من الأسف فَوق النِّهَايَة ، وَلَو خُيرتْ بَين حياتك وموتها ، لاختارت حياتك بِأَعْلَى صَوتهَا ، من أحق بالبر ممن أوصى ربنا سبحانه وتعالى بها في قوله (عز وجل) : “وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا”.

مقالات ذات صلة