لا قتل على المعتقد

الإسلام دين الفطرة السليمة ، وهو فن صناعة الحياة لا صناعة الموت ، وحتى عندما شرع القصاص في قوله تعالى : “وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ”(البقرة : 179) ، شرعه للحفاظ على الحياة ، ولم يكن بدعًا في ذلك ، فالأمر في التوراة كذلك حيث يقول الحق سبحانه : “وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّه”(المائدة : 45) .

وكانت العرب في جاهليتها تقول : القتل أنفى للقتل ، أي لو علم القاتل أنه سيقتص منه للمقتول وأن جزاءه سيكون من جنس صنيعه لفكر ألف مرة ومرة قبل أن يقدم على القتل ، وهو ما يعبر عنه بالزجر أو بالردع أو بقوة الردع الوقائي .

أما القتال فمشروعيته للدفاع عن النفس أو الوطن ، أو رد خيانة أو تآمر أو عدوان ، ولما رأى النبي (صلى الله عليه وسلم) امرأة كافرة مسنة مقتولة في أحد المعارك قال (صلى الله عليه وسلم) : ” مَا كَانَتْ هَذِهِ لِتُقَاتِلَ ” . فَأَمَرَ رَجُلًا ، فَقَالَ : ” الْحَقْ خَالِدًا ، فَقُلْ : لا تَقْتُلَنَّ ذُرِّيَّةً وَلا عَسِيفًا “(سنن أبي داود) ، ونهى ديننا الحنيف عن قتل النساء إلا من قاتلت ، والشيوخ إلا من قاتل ، ونهى عن قتل الأطفال ، وحرق الزروع ، وقطع الأشجار إلا إذا تحصن بها العدو ولم يكن من قطعها بد ، ونهى عن قتل الفلاحين في مزارعهم ، والرهبان في صوامعهم ، ولو كان القتل مقابل الاعتقاد لما نهى نبينا (صلى الله عليه وسلم) والخلفاء الراشدون من بعده عن قتل هؤلاء مع عدم إيمانهم بالإسلام .

فالإسلام لم يأت لقتل الناس إنما جاء لهدايتهم ، حيث يقول الحق سبحانه : “إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ” (الشورى : 48) ، ويقول سبحانه : ” وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا  أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ” (يونس : 99) ، ويقول سبحانه : “أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ” (يونس : 99) ، ويقول سبحانه : ” لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انفِصَامَ لَهَا  وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ  “(البقرة : 256) ، ويقول سبحانه : “ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ  وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ” (النحل : 125) ، ويقول سبحانه: ” إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ولكن اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ” (القصص : 56).

        فواجب العلماء والدعاة البلاغ المبين بالحكمة والموعظة الحسنة ، فالإسلام دين البناء لا الهدم ، دين الإصلاح لا الإفساد ، دين الرحمة لا العنف ، يقول سبحانه : ” وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ  وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ “(البقرة :204-205) ، ويقول نبينا (صلى الله عليه وسلم) : ” إِنَّ الرِّفْقَ لاَ يَكُونُ فِي شَىْء ٍ إِلاَّ زَانَهُ ، وَلاَ يُنْزَعُ مِنْ شَىْءٍ إِلاَّ شَانَهُ” (رواه مسلم) ، ويقول (صلى الله عليه وسلم) : “من أعطي حظه من الرفق , فقد أعطي حظه من الخير , ومن حرم حظه من الرفق , فقد حرم حظه من الخير”(سنن الترمذي) .

مقالات ذات صلة