محاسبة النفس

       محاسبة النفس من شيم المؤمنين وخصال الصالحين والمقربين , الذين يحاسبون أنفسهم قبل أن يحاسبوا , ويزنون أعمالهم قبل أن توزن عليهم , ويسألون أنفسهم قبل أن يقال لهم : ” وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ” , لم تغب الآخرة ولا ذكر الموت عنهم طرفة عين, يعبد أحدهم الله (عز وجل) وكأنه يراه , وكأن الموت يتبعه , وكأن الجنة عن يمينه والنار عن شماله , وقد قال نبينا (صلى الله عليه وسلم) لسيدنا حارثة بن النعمان كَيْفَ أَصْبَحْتَ يَا حَارِثَةُ؟ ” قَالَ: أَصْبَحْتُ مُؤْمِنًا حَقًّا ، قَالَ : فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” انْظُرْ مَا تَقُولُ، فَإِنَّ لِكُلِّ حَقٍّ حَقِيقَةً ، فَمَا حَقِيقَةُ إِيمَانِكَ؟” قَالَ: فَقَالَ: عَزَفَتْ نَفْسِي عَنِ الدُّنْيَا، فَأَسْهَرْتُ لِيَلِي وَأَظْمَأْتُ نَهَارِي، وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى عَرْشِ رَبِّي بَارِزًا، وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ كَيْفَ يَتَزَاوَرُونَ فِيهَا، وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَهْلِ النَّارِ كَيْفَ يَتَعَادَوْنَ فِيهَا، فَقَالَ: فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” أَبْصَرْتَ فَالْزَمْ، مَرَّتَيْنِ، عَبْدٌ نَوَّرَ اللهُ الْإِيمَانَ فِي قَلْبِهِ ” .

         لم تغرهم الدنيا وإن أقبلت ، ولم تشغلهم إن هي أدبرت ” فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ” , فقد استعدوا على كل حال , وطّنوا أنفسهم على الصبر عند البلاء والضراء ، والشكر عند النعمة والسراء , فحق فيهم قول نبينا (صلى الله عليه وسلم) : ” عَجَبًا لأمرِ المؤمنِ إِنَّ أمْرَه كُلَّهُ لهُ خَيرٌ وليسَ ذلكَ لأحَدٍ إلا للمُؤْمنِ إِنْ أصَابتهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فكانتْ خَيرًا لهُ وإنْ أصَابتهُ ضَرَّاءُ صَبرَ فكانتْ خَيرًا لهُ”.

          لجوهر المحاسبة وكيفيتها فيظن أن محاسبة النفس تقف عند أداء الشعائر والعبادات من صلاة وصيام وزكاة وحج فحسب , أو حتى مجرد اجتناب الكبائر , غير أن بعضهم قد يغفل عن محاسبة نفسه , عن مدى إتقانه للعمل أو إهماله فيه وتفلته منه , وقد لا يحاسبها على كل ما اكتسبه أو حصله من مال ومدى حله أو حرمته , ولا سيما الأمور المشتبهات التي حذرنا نبينا (صلى الله عليه وسلم) من الوقوع فيها, فقال (صلى الله عليه وسلم) : “إنَّ الحَلاَلَ بَيِّنٌ ، وَإنَّ الحَرامَ بَيِّنٌ ، وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبَهَاتٌ لاَ يَعْلَمُهُنَّ كَثيرٌ مِنَ النَّاسِ ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ ، اسْتَبْرَأَ لِدِينهِ وَعِرْضِهِ ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ في الحَرَامِ ، كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الحِمَى يُوشِكُ أنْ يَرْتَعَ فِيهِ ، ألاَ وَإنَّ لكُلّ مَلِكٍ حِمَىً ، ألاَ وَإنَّ حِمَى اللهِ مَحَارِمُهُ ، ألاَ وَإنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَت صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ ، ألاَ وَهِيَ القَلْبُ” .

فمن الناس من يحاسب نفسه كل لحظة , ومنهم من يحاسبها كل يوم وليلة , ومنهم من يحاسبها كل عام , ومنهم من لا يحاسب نفسه حتى يجدها موقوفة للحساب , فالعاقل السعيد من وعظ بغيره , والشقي الأحمق من لا يوعظ إلا بنفسه .

         غير أن بعض الناس قد لا يفطن وقد لا يحاسب نفسه على تجبرها أو تكبرها أو استعلائها أو جورها , أو استقلالها, أو تقصيرها في حق اليتيم والضعيف والمسكين والمحتاج , وقد لا يحاسبها على الوفاء بالحقوق الخاصة والعامة , وقد لا يحاسبها على أداء واجباتها المجتمعية والوطنية , وقد لا يحاسبها على كل لحظة وكل نَفَس خرج أكان في خير أم شر , وأن يدرك كامل الإدراك أن من يعمل مثقال ذرة خيرًا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره , حيث يقول الحق سبحانه :   ” فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ”.

مقالات ذات صلة