تحية لذوي القدرات الخاصة

أ.د/ محمد مختار جمعة
وزير الأوقاف

المبدعون الحقيقيون هم من يتحدون أصعب الظروف ويأتون بما يعجز أقرانهم عن الإتيان بمثله ، لقد شهدنا حفل تكريم ذوي الاحتياجات الخاصة بل قل ذوي القدرات الخاصة بتشريف سيادة الرئيس ، وتابعنا ما حققوه من إنجازات يعجز كثيرون ممن رزقوا تمام الصحة والعافية أن يأتوا بمثلها أو بعضها ، ولله في خلقه شئون ، فقد خلق سبحانه وتعالى الكون ونظمه ووزع فيه الأرزاق بحكمته وعدله ، فهذا رزقه مال ، وذا ولد ، وذا صحة ، وذاك مكارم الأخلاق ، وقد صدق من قال إن النعم مقسمة بعدالة تامة ، فجملة ما عند زيد هي جملة ما عند عمرو  بتساوٍ في النعم ، غير أن الناس قسمان : قسم يرضى بما قسمه الله له ويجتهد في إطاره ، ويعمل على تنمية قدراته التي منَّ الله عليه بها فيربح الدارين ، وآخر لا يملك سوى الجزع والسخط ، فمن رضي فله الرضا ، ومن سخط فله السخط ، وقد مرَّ أحد الناس على رجل مقطوع اليدين والرجلين ينظر إلى حاله بعين الرضا ويقول : الحمد لله الذي عافاني مما ابتلى به كثيرًا من الناس ، فنظر إليه الرجل وقال : ومم عافاك الله يا أخي ، فقال : الحمد لله الذي جعل لي لسانًا ذاكرًا وقلبًا خاشعًا وجسدًا على البلاء صابرًا .

       فبعض الناس يخلق مما يراه الناس محنة منحة مبهرة برضاه وأمله وعدم يأسه أو سخطه ، فيرضى بقسمة الله له ويجتهد فيما عوضه الله به ، وآخر يرى النعم كل النعم فيما افتقد لا فيما منح، فإن رزق المال والصحة وابتلي بعدم الولد لا يكاد يرى نعمة في الكون إلا نعمة الولد ، فيعيش ساخطًا حانقًا محبطًا ناسيًا أن النعمة قد تكون في الولد وقد تكون في عدمه , وأن العقم نعمة من نعم الله كنعمة الإنجاب سواء بسواء ، وأن الولد قد يكون نعمة لوالديه وقد يكون نقمة عليهما ، حيث يقول الحق سبحانه : “ وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا ، ويقول سبحانه : “ لِّلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَن يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذُّكُورَ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَن يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ .

ومن رزق الولد والصحة وابتلي بقلة المال لا يرى السعادة إلا مالاً ، وهو لا يدري أن هلاكه قد يكون في كثرة المال ، الذي يفسده ويطغيه ، فالمال يكون نعمة لمن جمعه من حله وأنفقه في حقه وأدى حق الله تعالى فيه ، ويكون نقمة على من جمعه من حرام أو أنفقه في حرام ولم يؤد حق الله تعالى فيه .

لقد تعلمنا من المبدعين من ذوي القدرات الخاصة دروسًا في الرضا ، ودروسًا في الصبر ، ودروسًا في الإرادة ، ودروسًا في التحدي ، ودروسًا في العزيمة والاصرار وتحقيق الإنجازات والبطولات ، وهو ما لو تشبثنا به لغيرنا كثيرًا من واقعنا ، واختصرنا كثيرًا من الزمن في المسافات نحو اللحاق بمصاف الأمم الأكثر تقدمًا ورقيّا وازدهارًا ، فتحية لذوي القدرات الخاصة على عزيمتهم وروحهم العالية وما حققوه من إنجازات مبهرة , وتحية للسيد الرئيس الذي عنى بأمرهم وخصص عام 2018م عامًا لهم.

مقالات ذات صلة