آخر الأخبار

رسـول الإنسانية

أ.د/ محمد مختار جمعة
وزير الأوقاف

نبينا محمد (صلى الله عليه وسلم) نبي الإنسانية ورسولها ، سواء من حيث كون رسالته جاءت رحمة للعالمين حيث يقول الحق سبحانه : “وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ” ، أم من حيث كونها للناس كافة ، حيث يقول الحق سبحانه “وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ، وحيث  يقول نبينا (صلى الله عليه وسلم) : وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس كافة ، وأعطيت الشفاعة ، أم كان ذلك من جهة ما تضمنته الرسالة من جوانب الرحمة والإنسانية وتكريم الإنسان لكونه إنسانًا بغض النظر عن دينه أو لونه أو جنسه أو لغته ، حيث يقول الحق سبحانه : “وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ .

ويتجلى البعد الإنساني في حياة سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في معاملته لأصحابه وأزواجه وأحفاده والناس أجمعين ، فكان (صلى الله عليه وسلم) يقول عن سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه : إن أمن الناس علي في صحبته وماله أبو بكر وفي رواية أنه (صلى الله عليه وسلم) قال : ” إن الله بعثني إليكم فقلتم: كذبت ، وقال أبو بكر: صدق، وواساني بنفسه وماله فهل أنتم تاركو لي صاحبي ، وكان يقول عن سيدنا سلمان الفارسي : “سلمان منا آل البيت” ، وكان خير الناس لأهله وهو القائل عن أم المؤمنين خديجة (رضيالله عنها) : آمنت بي إذ كفر بي الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله عز وجل ولدها إذ حرمني أولاد النساء ، وظل وفيًّا لها طوال حياتها حتى بعد وفاتها  ، فكان يكرم صديقاتها ومن كن يأتيه على عهدها ، فقد جاءت عجوز إلى بيته (صلى الله عليه وسلم) فقاللها : من أنت؟ ” قالت: أنا جثامة المزنية، فقال: ” بل أنت حسانة المزنية، كيف أنتم؟ كيف حالكم؟ كيف كنتم بعدنا؟” قالت: بخير بأبي أنت وأمي يا رسول الله، فلما خرجت قالت عائشة: يا رسول الله، تقبل على هذه العجوز هذا الإقبال؟ فقال: “ إنها كانت تأتينا زمن خديجة، وإن حسن العهد من الإيمان.

وكان شديد الحب لأحفاده شديد الحفاوة والعناية بهم ، فعن أبي بكرة قال: رأيت النبي (صلى الله عليه وسلم) على المنبر والحسن بن علي معه ، وهو يقبل على الناس مرة وعليه مرة ويقول: إن ابني هذا سيد ، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين  ، ولما رآه الأقرع بن حابس يقبل الحسن والحسين ، قال: إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحدا،فنظر إليه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ثم قال: من لايرحم لا يرحموفي رواية: “ أو أملك لك أن نزع الله من قلبك الرحمة.

وكان (صلى الله عليه وسلم) أرحم الناس بالناس وبخاصة الأطفال والضعفاء حيث يقول (صلى الله عليه وسلم) : “إنيلأقوم في الصلاة أريد أن أطول فيها، فأسمع بكاء الصبِي،فأتجوز في صلاتي كراهية أن أشق على أمه ، ويقول (صلى الله عليه وسلم) : “من صلى بالناس فليخفف فإن فيهم المريض والضعيف وذا الحاجة “.

وعلمنا (صلى الله عليه وسلم) الجود الإنساني والذوق الراقي في آن واحد  فقال (صلى الله عليه وسلم) : ” لا تحقرنمن المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق” , وقال (صلى الله عليه وسلم) : “لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة” , سواء من جهة المعطية المنفقة التي لا ينبغي أن تستحي من قلة ما تملك فتحجم عن العطاء , فرب درهم سبق ألف درهم , يقول (صلى الله عليه وسلم) : ” من تصدق بعدل تمرة من كسب طيبولا يقبل الله إلا الطيبفإن الله يقبلها بيمينه ثم يربيهالصاحبها كما يربي أحدكم فلوه حتى تكون مثل الجبل ” , أم كان ذلك من جهة الآخذة أو الآخذ , إذ لا ينبغي أن نُحرج المعطي أو المهدي وإن كان ما يهديه قليلا , بل علينا أن نشكر له صنيعه وإن كان يسيرًا , حيث يقول نبينا (صلى الله عليه وسلم) : ” من لم يشكر الناس لم يشكر الله ، وهو ما أكده سيدنا عبد الله بن عباس (رضي الله عنهما) في حديثه عن الوصايا العشر في سورة الأنعام .

ومن هنا فإن إعلاءنا للقيم الإنسانية ليس أمرًا سياسيًّا أو مجرد أمر إنساني , إنما هو عقيدة وشريعة ودين ندين به لله (عز وجل) , فبدل أن تتناحر الأمم والشعوب وتتقاتل ويعمل بعضهم على إفناء أو إضعاف أو إنهاك أو تفتيت بعض , فليتعاون الجميع لصالح البشرية جمعاء , حيث يقول الحق سبحانه : ” يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثىوجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا.

ولو أن البشرية أنفقت على معالجة قضايا الجوع والفقر والمرض والتنمية معشار ما تنفق على القتال والحروب والتخريب والتدمير , لتحول حال البشرية إلى ما يصلح شئون دينها ودنياها.

مقالات ذات صلة