آخر الأخبار

مصر مهد الحضارات

    في ضوء الإقبال منقطع النظير من شباب العالم بمختلف دوله ودياناته وثقافاته وحضاراته ولغاته وأعراقه وأجناسه المختلفة ، يطيب لنا أن نقول لهم : من نحن ؟ ، فنحن بلد الحضارات ، وملتقى الديانات ، وبلد التسامح ، وبلد السلام، وبلد الثقافات ، وبلد الحوار ، وبلد التلاقي ، وبلد التعايش السلمي بين البشر .

    حضارتنا تضرب في أعماق التاريخ لما يزيد على سبعة آلاف عام , تقف شامخة شاهدة بأهراماتها ، ومتاحفها , ومعابدها ، وكنائسها ، ومساجدها ، على أنها بلد حضارة وعراقة ، وأنها تمتلك من الآثار الشامخة عبر العصور والقرون ما لا تمتلكه أي دولة أخرى , مع دور مصر الريادي في المنطقة فكريًَّا , وعلميًَّا ، وثقافيًّّا ، وحضاريًّا ، وإنسانيًّا , ولعل أهم ما يميز مصرنا الكبيرة العظيمة هو سعة أفقها , وقدرتها على التجاوز والتسامح ، والترفع عن الدنايا والصغائر.

إن التراكم الحضاري للثقافة المصرية بكل أبعادها العلمية والمعمارية والفنية والتشكيلية، والتاريخية قد أبهر العالم كله، وكان مثار إعجاب العلماء والباحثين , ومقصد السائحين من كل أرجاء العالم، أملا في التعرف على أبعاد هذه الحضارة من جهة، وعملا على الإفادة من معطياتها من جهة أخرى، بل إن الأمر تجاوز هذا القصد إلى إقامة متاحف ومعارض ومواقع للآثار المصرية في كثير من دول العالم التي تعرف للتاريخ قدره، ولمصر مكانتها، وللآثار قيمتها.

ومصر غنية بسماحتها ووسطيتها وبعدها عن الغلو والشطط والتطرف عبر تاريخها الطويل، وقد استقت هذه الوسطية من حضارتين عظيمتين، أولاهما: الحضارة الإسلامية السمحة التي لا تقر التشدد ولا التطرف ولا الغلو، ولا العنت، فهي قائمة على الإيمان بالتنوع دون تفرقة على أساس الدين أو الجنس أو العرق أو اللون أو اللغة ، حيث يقول الحق سبحانه : ” لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ” (البقرة : 256)، ويقول سبحانه “وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا  أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ” (يونس : 99) ، ويقول سبحانه : “وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ” (هود : 118) ، ويقول نبينا (صلى الله عليه وسلم) : ” أيها الناس، إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم، وآدم من تراب، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، ليس لعربي فضل على أعجمي إلا بالتقوى، ألا هل بلَّغت؟ اللهم فاشهد ” (رواه مسلم) .

     وهي قائمة أيضا على اليسر ورفع الحرج؛ حيث يقول الحق سبحانه وتعالى: ” يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ”(البقرة :184) ويقول سبحانه: “وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ” (الحج : 77)، وحيث يقول نبينا (صلى الله عليه وسلم) : ” إن الدين يسر، ولن يشاد هذا الدين أحد إلا غلبه” ( أخرجه البخاري)، ويقول (صلى الله عليه وسلم) : “يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا” (متفق عليه).

    والسماحة الأخرى استمدتها من الحضارة المصرية القديمة والحديثة معا ، فالشخصية المصرية لم تعرف عبر عصور تاريخها الممتد والعريق بالغلو أو التشدد أو التجاوز أو الاعتداء على الآخرين.

     ومن خلال تفاعل هاتين الحضارتين العظيمتين صارت الحضارة المصرية فريدة في يسرها وسماحتها ، وهي في حالة نقاء وإفراز دائم ونفى مستمر لكل ألوان التشدد والغلو ، فهي بطبيعتها وتكوينها لا تقبلهما ولا يمكنها التعايش مع أي منهما ، فهما  بالنسبة لها كالجسم الغريب ، أو العضو المزروع قسرًا في جسد لا يمكن أن يتقبله .

    ولا يستطيع أحد إنكار الأبعاد العلمية والإنسانية والأخلاقية والروحية لحضارة الإنسان المصري، فقد صارت مفردات هذه الحضارة تغذي كثيرا من الروافد العلمية في مجالات متعددة منها علم الأخلاق ، وعلم الاجتماع ، إضافة إلى الفنون الهندسية ، والمعمارية ، وفنون الكتابة ، والتحنيط ، والفلك ، والثروات المعدنية كمناجم الذهب التي استغلها المصريون القدماء ، وبدت آثارها واضحة فيما عثر ويعثر عليه في مقابرهم وأهراماتهم.

لقد استوعبت الحضارة المصرية كثيرًا من مظاهر الحضارات الأخرى , وأفادت منها النافع المفيد , ولفظت الغث والخبيث , وكان أزهرها بسماحته ووسطيته المعروفة عبر تاريخه الذي أربى على ألف عام أحد أهم ضمانات هذه السماحة والوسطية , ليس في مصر وحدها , ولا في العالم العربي وحده , ولا العالم الإسلامي وحده , بل في العالم كله.

إضافة إلى أن مصر عبر تاريخها العريق غنية بالقيم والأخلاق , لم يعرف عن أهلها غدر ولا خيانة, ولا اعتداء ولا عدوان على أحد بدون حق , بل وقفت بما وسعها من قوة وإمكانات إلى جانب الأشقاء والأصدقاء , وعرفت طوال تاريخها بحسن الجوار , وبسماحة أهلها , وحسن عشرتهم, ولم تعرف التشدد ولا التطرف , وما حدث من موجات عنف عابرة أو طارئة هنا أو هناك إنما هي ظواهر شاذة لفظها المجتمع المصري وبسرعة جارفة بفطرته وطبيعته السمحة النقية.

 

مقالات ذات صلة