45 عاما من العطاء

    

     تحتفل قواتنا المسلحة بل مصر كلها بل الأمة العربية بأسرها بالذكرى الخامسة والأربعين لانتصارات أكتوبر 1973م , حيث عبر الجيش المصري خط بارليف المنيع الذي كان الجيش الإسرائيلي يظن أنه حصن لا يُعبر , وقهرت قواتنا المسلحة الباسلة الجيش الإسرائيلي الذي كان يقال عنه إنه لا يقهر , وأعادت انتصارات أكتوبر لمصرنا العزيزة وأمتنا العربية عزتها وكرامتها وثقتها في نفسها

     وواصلت قواتنا المسلحة عطاءها الوطني , لم تتخل يوما ما عن قضايا وطنها وأمتها , فهي درع الأمة وسيفها , ثم كانت تلك المواجهة الحاسمة مع قوى الشر والظلام والإرهاب من الجماعات الإرهابية والمتطرفة التي تعمل رأس حربة لأعداء أمتنا قصد تفكيكها وتفتيت وتمزيق كيانها وإسقاط دولها الوطنية , للاستيلاء على خيراتها ومقدراتها, ففي الوقت الذي سقطت فيه بعض دول المنطقة في أتون الفوضى والاضطراب كانت قواتنا المسلحة على أهبة الاستعداد لدحر وقهر العناصر والجماعات الإرهابية , ولم يقف عطاؤها عند هذا الحد , بل إنها وقفت شامخة : يد تبني وأخرى تحمل السلاح.

     لقد كانت حرب العاشر من رمضان السادس من أكتوبر 1973م ملحمة من العطاء والفداء وأبرزت بسالة وصلابة وقوة وفدائية الجندي المصري واستعداده للتضحية في سبيل وطنه , وجسدت روح التكامل بين الشعب وقواته المسلحة , حيث وقف الشعب المصري كله صفا واحدا خلف قواته المسلحة , وها هما : الجيش والشعب ينسجان ملحمة جديدة من اللحمة بين الجيش المصري والشعب المصري , فهما شيء واحد , فالجيش المصري هو ابني وابنك وأخي وأخوك ووالدي ووالدك , هو من صميم هذا الشعب من لحمه ودمه , لم يضم يوما ولم يعتمد قط على المرتزقة أو المأجورين , إنما اعتمد عبر تاريخه على نخبة من خيرة أبناء الشعب المصري الذين تربوا في المدرسة العسكرية المصرية مدرسة الوطنية ومصنع الرجال الأبطال العظماء الذين يحملون أرواحهم على أكفهم يقبلون على الشهادة إقبال غيرهم على الحياة , مؤمنين بالله (عز وجل) وبهذا الوطن العظيم , موقنين بما أعده الله (عز وجل) للشهداء من عظيم المكانة والمنزلة , حيث يقول الحق سبحانه : ” وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ” (البقرة : 154) , وحيث يقول (عز وجل) : ” وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ” (آل عمران : 169) , ويقول تعالى: “وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ ” (آل عمران: 140) , ويقول تعالى : “وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ ” (الحديد: 19) , وحيث يقول نبينا (صلى الله عليه وسلم) : “وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلاَ أَنَّ رِجَالًا مِنَ المُؤْمِنِينَ لاَ تَطِيبُ أَنْفُسُهُمْ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنِّي، وَلاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُهُمْ عَلَيْهِ مَا تَخَلَّفْتُ عَنْ سَرِيَّةٍ تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ، والذي نفسي بيده لَوَدِدْتُ أَنّي أُقتَلُ في سبيلِ الله ثم أُحيا ، ثمّ أُقْتَلُ ثم أُحْيا ، ثم أُقَتل في سبيل الله” (رواه البخاري) , ويقول (صلى الله عليه وسلم) : ” والذي نفسي بيده لا يُكْلم – أي لا يُجرح أو يُصاب – في سبيل الله – والله أعلم بمن يكلم في سبيله – إلا جاء يوم القيامة وجرحه يثغب دما اللون لون الدم، والريح ريح المسك” (رواه البخاري) , ويقول(صلى الله عليه وسلم) : “عَيْنَانِ لاَ تَمسُّهُمَا النَّارُ : عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ ، وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ في سَبيلِ اللهِ” (رواه الترمذي) ، ويقول (صلى الله عليه وسلم) : “مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ ، وَلَمْ يُحَدِّثْ بِهِ نَفْسَهُ، مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاقٍ” (رواه مسلم) , ويقول (صلى الله عليه وسلم) : “مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ أَوْ دُونَ دَمِهِ أَوْ دُونَ دِينِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ” (رواه أبو داود).

     بل إن هذا الثواب العظيم والفضل العميم لا يتوقف عند الشهداء فحسب بل إنه يعم من نذر نفسه ووهبها لخدمة دينه ووطنه , متمنيا الشهادة في سبيل الله (عز وجل) , حيث يقول نبينا (صلى الله عليه وسلم) : ” مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ بَلَّغَهُ اللَّهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ ” (رواه مسلم).

مقالات ذات صلة