الوعـي بالتحديـات

    لا يدرك كثيرون حجم التحديات ولا أهمية الوعي بها ، لأننا دون إدراك التحديات التي تواجهنا ودون الوعي بها لا يمكن أن نضع حلولاً لها وأن نشارك بقناعة في العمل على مواجهتها ومجابهتها ، وقديمًا قال المتنبي :

ذو العقل يشقى في النعيم بعقله

وأخو الجهالة في الجهالة يرتع

    غير أن عاقبة الفكر والعقل حميدة ، وعاقبة الجهالة دمار وخراب ، مما يحتم علينا الاهتمام بقضية الوعي , وعلى الرغم من الجهود الجبارة التي قامت بها الدولة المصرية في بناء المدارس ، وإنشاء الفصول الدراسية الجديدة ، فإن الزيادة السكانية غير المنضبطة تلتهم كل الجهود المبذولة في هذا المجال وغيره من المجالات .

والذي لا شك فيه أن الزيادة السكانية هي أخطر مشكلة تواجه الدولة المصرية بعد مشكلة الإرهاب التي قطعت الدولة في مواجهته شوطًا كبيرًا ، وحَدَّت كثيرًا من مخاطره.

فزيادة نحو مليوني ونصف المليون نسمة سنويًّا يعني أننا في حاجة إلى بناء ألفين وخمسمائة مدرسة على الأقل بتجهيزاتها وتوفير نحو خمسين ألف معلم , وثلاث جامعات , ونحو مليون ومائتين وخمسين ألف وحدة سكنية سنويًّا , ناهيك عن الخدمات الصحية والبنية التحتية وتوفير فرص العمل , وهو ما يعني أننا في حاجة إلى بناء دولة كاملة سنويًّا , إضافة إلى تحسين المرافق والخدمات الحالية , وهو ما لا تقوى عليه أي دولة في العالم .

على أننا يجب أن ندرك أن المباهاة المحمودة في قول نبينا ( صلى الله عليه وسلم ) : “تناكحوا تكاثروا فإني مباهٍ بكم الأمم يوم القيامة ” , إنما تتوجه إلى الكثرة النافعة المنتجة القوية ، أما الكثرة التي تورث الضعف , أو الجهل , أو التخلف عن ركب الحضارة , والتي تكون عبئًا ثقيلا لا تحتمله ولا يمكن أن تحتمله أو تفي بمتطلباته موارد الدولة وإمكاناتها , فهي الكثرة التي وصفها نبينا (صلى الله عليه وسلم) بأنها كثرة كغثاء السيل , لا غناء منها ولا نفع فيها , فهي كثرة تضر ولا تنفع.

       ونؤكد أن الأحكام في هذه القضية يجب أن تراعى طبيعة الزمان والمكان والحال وظروف كل دولة أو مجتمع على حدة ، فلا نطلق أحكامًا عامة ، ففي الوقت الذي تحتاج فيه بعض الدول إلى أيدٍ عاملة ولديها من فرص العمل ومن المقومات والإمكانات وامتداد المساحة وسعة الموارد يكون الإنجاب مطلبًا ، وتكون الكثرة كثرة نافعة ومدعاة للتفاخر والمباهاة ، أما في الظروف الاستثنائية التي تمر بها بعض الدول في ظل ظروف لا تمكنها من توفير المقومات الأساسية من الصحة والتعليم والبنى التحتية في حالة الكثرة غير المنضبطة، وبما يؤدي إلى أن تكون كثرة كغثاء السيل ، فإن أي عاقل يدرك أنه إذا تعارض الكيف والكم فإن العبرة والمباهاة الحقيقية تكون بالكيف لا بالكم , وهنا تكون القلة القوية خيرًا ألف مرة ومرة من الكثرة الضعيفة.

    ومن التحديات التي نواجهها ويجب أن نعمل على مواجهتها بحسم الكيانات الاقتصادية والثقافية والمجتمعية التابعة للجماعات الإرهابية ، ويأتي في مقدمتها ما يمكن أن نطلق عليه دولة الإخوان الاقتصادية ، وهي التي لا تقل خطرًا عن إجرامهم في التشويه والتضليل وبث الأكاذيب والشائعات , لأن الشأن الاقتصادي هو الرابط الذي يربط أعضاء وعناصر الجماعة الإرهابية برباط نفعي وثيق من خلال شراء أصحاب النفوس الضعيفة ، والتركيز على المهمشين أو المحرومين أو الأكثر احتياجًا ، حتى وصل الأمر إلى تجاوزهم إلى غيرهم من طالبي وراغبي الثراء بأي وسيلة حتى لو كانت غير مشروعة أومدمرة ، إضافة إلى خطورة توظيف هذا المال في العمليات الإرهابية.

   ولا بد من التنبه هنا إلى مخاطر دولة الإخوان الإرهابية الاقتصادية التي صارت تستخدم في تمويل العمليات الإرهابية ودعم العناصر المتطرفة ، مما يتطلب النظر وبجدية والتعامل بحسم مع هذا المال المشبوه حتى لا يوظف في الإضرار بالمصلحة الوطنية ، أو أذى المواطنين أو الإساءة إلى صورة الإسلام والمسلمين ، وعلى الجملة فإن هذا الاقتصاد الموازي أو تلك الدولة الاقتصادية للإخوان تعد خطرًا على الأمن القومي ، بل على أمن وسلام الإنسانية، لأن تلك الجماعة كالحرباء لا تعرف دينًا ولا وطنية ولا وفاء لأحد ، فصديق اليوم لديها عدوّ الغد، لا يربطها بأحد سوى ما تحققه من خلاله من مصالح عاجلة ، وإلا فله منها الويل والثبور وعظائم الأمور .

 

مقالات ذات صلة