آخر الأخبار

في رحاب الهجرة النبوية

     هبط الوحي أول ما هبط على نبينا (صلى الله عليه وسلم) بغار حراء بمكة المكرمة بقول الحق سبحانه وتعالى : “اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ” ، تأكيدًا على أهمية العلم والتعلم وأهمية القراءة والكتابة باعتبارها مفتاح عملية التعلم ، فيجب التنبه إلى ذلك من خلال التركيز في المراحل التعليمية الأولى على مهارات القراءة والكتابة ، فبدون إجادتهما وتعلم مهارتهما يكون التعثر .

    ومنذ اللحظات الأولى لنزول الوحي والجهر بتبليغ الرسالة بدأ صناديد قريش وسادتها يخططون لمواجهة هذه الرسالة ، حيث يقول الحق سبحانه : “وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ  وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ” ، واشتدوا في إيقاع الأذى برسولنا (صلى الله عليه وسلم) وبأصحابه (رضوان الله عليهم) ، فأذن لهم نبينا (صلى الله عليه وسلم) بالهجرة الأولى إلى الحبشة ، ثم ضاق الخناق واشتد الأذى بهم ، فخرج (صلى الله عليه وسلم) إلى الطائف لعله أن يجد استجابة لدعوته لدى أهل الطائف ، فكانوا أكثر قسوة من أهل مكة ، وسلطوا غلمانهم وصبيانهم وسفهاءهم على نبينا (صلى الله عليه وسلم) يرمونه بالحجارة حتى سال الدم من قدميه الشريفتين ، فتوجه (صلى الله عليه وسلم) إلى ربه بدعائه الشهير : “اللهم إليك أشكو ضعف قوتي ، وقلة حيلتي ، وهواني على الناس ، أنت أرحم الراحمين ، إلى من تكلني ، إلى عدو يتجهمني ، أو إلى قريب ملكته أمري ، إن لم يكن بك علي غضب  فلا أبالي ، غير أن عافيتك أوسع لي ، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات ، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة ، أن تنزل بي غضبك ، أو يحل علي سخطك ، لك العتبى حتى ترضى ، ولا حول ولا قوة إلا بك” .

    وظل (صلى الله عليه وسلم) صابرًا محتسبًا ، كما ظل أصحابه (رضي الله عنهم) إلى جانبه صابرين محتسبين ، حتى جاءه الإذن بالهجرة إلى المدينة المنورة فأذن لهم النبي (صلى الله عليه وسلم) بالهجرة إليها ، فكانت  هجرته إليها فتحًا مبينًا وسبيلاً لنصر عظيم مؤزر ، كما كانت أهم نقطة تحول في تاريخ الإسلام والمسلمين نحو بناء الدولة بكل ما تعنيه كلمة الدولة من معان ، حيث عقد النبي (صلى الله عليه وسلم) المعاهدات التي ترسخ أسس التعايش السلمي بين البشر ، وكتبت أهم وثيقة في تاريخ البشرية في فقه التعايش السلمي واحترام التعددية ، وبخاصة التعددية الدينية وحرية المعتقد ، حيث أكدت وثيقة المدينة أن يهود بني عوف ، ويهود بني النجار ، ويهود بني الحارث ، ويهود بني ساعدة ، ويهود بني جشم، ويهود بني الأوس ، ويهود بني ثعلبة ، مع المؤمنين أمة ، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم ، وأن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وأن بينهم النصح والنصيحة ، والبر دون الإثم ، وأن النصر للمظلوم ،وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا  محاربين،  وأن الجار كالنفس غير مضار ولا آثم ،   وأن بينهم النصر على من دهم يثرب ، وأن من خرج منهم فهو آمن، ومن قعد  بالمدينة فهو آمن , إلا من ظلم أو أثم ، وأن الله (عز وجل) جار لمن بر واتقى , ومحمد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ).

   كما حرص رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على إنشاء سوق تجاري بالمدينة في إشارة إلى العناية ببناء كيان اقتصادي قوي تقوم عليه الدولة ، هذا فضلاً عن المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار ، ثم منّ الله (عز وجل) على رسولنا (صلى الله عليه وسلم) وصحبه (رضوان الله عليهم) بفتح مكة ، وبعدها انتقل حكم الهجرة الحسية إلى الهجرة المعنوية ، فقال (صلى الله عليه وسلم) (لا هجرة بعد الفتح) وعندما جاء صفوان بن أمية مهاجرًا قال له النبي : (ما جاء بك يا صفوان) فقال : قيل لي لا دين لمن لم يهاجر فقال له النبي (صلى الله عليه وسلم) : “ارجع أبا وهب إلى أباطح مكة لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية”.

    وإذا كان أمر الهجرة كتحول من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة قد انتهى بفتح مكة فإن كل معاني الهجرة النبيلة هي ما يجب أن نحرص عليه , كحسن الأخذ بالأسباب تعلمًا ، وتعليمًا , وتخطيطًا , وعملاً , وإنتاجًا , وإتقانًا , بالتحول من البطالة والكسل إلى الجد والعمل والإتقان, ومن الأثرة والأنانية والعصبية الجاهلية إلى الإيثار والإخاء الإنساني الصادق ، حيث يقول نبينا (صلى الله عليه وسلم) : ” المسلم من سلِم المسلمون من لسانه ويده ، والمهاجر من هجَر ما نهى الله عنه “.

مقالات ذات صلة