مجرمون وضحايا

     كل مجرم لابد له من ضحية أو ضحايا، فالإرهاب له ضحايا من الشهداء الأبرار والمصابين العظماء ، ولو عقل الإرهابي الأحمق أو فكر لبعض الوقت أو استخدم عقله في مآل أعماله الإجرامية وما قد تخلفه من خراب ودمار وسفك للدماء لوطنيين أحرار، وقد تكون دماء أطفال ونساء وشيوخ ، فتخلف الأرامل والأيتام والمكلومين الأبرياء , والذين يؤخذون غيلة بدم بارد.
ومن أخطر ألوان الإجرام ما يتصل بتحطيم المجتمع وخاصة الفقراء والكادحين من خلال الغش في الغذاء أو الدواء أو أي سلعة من السلع ، فالفقراء والكادحون في الغالب الأعم هم من يبحثون عن السلع والأدوات الأرخص سعراً ، فيقعون ضحايا منعدمي الضمير ، فإن كان الغش في الغذاء أو الدواء وأدى إلى الوفاة ، فالغاش قاتل ، فإن كان يعلم أن ما يصنعه أو ينتجه أو يبيعه يمكن أن يؤدي إلى الوفاة فهو قاتل عمدا أو شبه عمد على أقل تقدير ، وإن كان لا يعلم أن ذلك يمكن أن يؤدي إلى الوفاة فهو قاتل خطأ ، ويجب تغليظ العقوبة على الغش والغشاشين بما يردعهم ويحمي المجتمع من شرهم.
أما الغش في الإنتاج فهو أولاً يوقع صاحبه في سخط الله عز وجل ، حيث يقول نبينا (صلى الله عليه وسلم) : ” من غش فليس منا” , ويكفي سقوطًا أن يوصم الإنسان بالغش , ثم إن الغش خيانة للوطن وإساءة إلى صورته وإسهام في إضعافه ، يضاف إلى ذلك أن من يشتري السلعة المغشوشة فإن له حقا في عنق من غشه يتقاضاه منه يوم لا درهم ولا دينار ، “يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم” , فما بالكم لو كان مشترى هذه السلعة المغشوشة فقيرًا أو مسكينًا جمع حقها بالكاد من قوته وقوت أبنائه واستبشر وتهلل بمجرد الحصول عليها ، فلا تتم فرحته عندما يفجع بتلفها أو احتراقها ، أو تعطلها وهو غير قادر حتى على مجرد إصلاحها , لا شك أنه لا يمكن أن يسامح من يغشه , وأن له مظلمة في عنقه , والظلم ظلمات , والمال الناتج عن الغش سحت ووبال على صاحبه في الدنيا والآخرة.
ومن الإجرام أيضًا عدم الوفاء بحق العامل أو الأجير أو الخادم استضعافا له واستحقاقا بشأنه , ويقابله في الإجرام أيضًا عدم وفاء أي من هؤلاء بحق العمل.
حيث يقول رب العزة (عز وجل) في الحديث القدسي : “ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمَنْ كُنْتُ خَصْمَهُ خَصَمْتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُوفِهِ أَجْرَهُ”.
ومن الإجرام أيضًا الاعتداء على المال العام أو على أملاك الدولة أو على مال الوقف الذي هو مال الله وحق للموقوف عليهم سواء من الأشخاص أو المحتاجين أو وجوه الخير , فهو مال أناس صالحين قصدوا به وجه الله (عز وجل) ومرضاته , والله كفيل بحفظه وخصم لمن يعتدي عليه , فهو بمثابة مال اليتيم , وحيث يقول الحق سبحانه : “إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا” (النساء : 10) .
وقد يحتال المجرم على الإفلات من العقاب الدنيوي غير أن عليه أن يدرك أنه إن أفلت من عقاب الخلق فلن يفلت من عقاب الخالق (عز وجل) , فيكون المال الحرام شرًا مستطيرًا عليه وعلى أبنائه في الدنيا هما وغما ومرضًا وفشلا ونكدًا , “وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى” , يقول نبينا (صلى الله عليه وسلم) : ” إِنَّهُ لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ لَحْمٌ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ ، النَّارُ أَوْلَى بِهِ” (مسند أحمد), ويقول (صلى الله عليه وسلم) : “إِنَّ رِجَالاً يخوضون فِى مَالِ اللَّهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَلَهُمُ النَّارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ” (صحيح البخاري) .
إننا نحتاج إلى يقظة الضمير الديني , والضمير الوطني , والضمير الإنساني , كما نحتاج إلى المتابعة والمراقبة والحسم وتغليظ العقوبات , فإن الله (عز وجل) يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن , وبالتوازي نحتاج إلى التثقيف والتربية , ونحتاج إلى الإيجابية المجتمعية فلا يرى أحدنا الفساد يضرب إلى جانبه ويقف صامتا لا يحرك ساكنا , لأن النار لم تشتعل فيه هو , فتلك سلبية مقيتة , إنما يجب علينا شرعًا ووطنية , النصيحة الصادقة فإن لم تؤت النصيحة ثمرتها فالتحرك الإيجابي للإبلاغ عن الفساد والتعاون مع سائر الأجهزة الرقابية لدحضه والقضاء عليه , حماية لأنفسنا ومجتمعنا ووطننا من الفساد والمفسدين والإجرام والمجرمين , وعلى رأسهم الإرهابيون الذين يسعون لتدمير الوطن وتمزيق أوصاله وتفتيت كيانه , إما عمالة وخيانة لأعدائه , وإما لتحقيق مصالحهم على حساب دينهم ووطنهم وأهليهم.

مقالات ذات صلة