رسالة المنبر وميثاقه

    إذا أردنا عبارة جامعة نلخص بها رسالة المنبر فإننا نقرر وباطمئنان أن رسالة المنبر الحقيقية هي رسالة الإسلام السمحة ، وإذا كان رب العزة (عز وجل) قد بعث سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم) رحمة للعالمين فقال : “وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ” (الانبياء : 107) ، وقال سبحانه : ” فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ” (آل عمران : 159)، وقال نبينا (صلى الله عليه وسلم) “يا أيها الناس إنما أنا رحمة مهداة” ، فإن المنبر يجب أن يكون رحمة للعالمين ، وأن تكون رسالته رحمة .

    وإذا كان سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم) قد لخص الهدف الأسمى لرسالته (صلى الله عليه وسلم) فقال : “إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ”(رواه الحاكم في المستدرك) ، وقال (صلى الله عليه وسلم) : “إِنَّ مِن أَحَبِّكُم إِلَيَّ وَأَقرَبِكُم مِنِّي مَجلِسًا يَومَ القِيامَةِ أَحَاسِنَكُم أَخلَاقًا وَإِنَّ أَبغَضَكُم إِلَيَّ وَأَبعَدَكُم مِنِّي مَجلِسًا يَومَ القِيَامَةِ الثَّرثَارُونَ ، وَالمُتَشَدِّقُونَ وَالمُتَفَيهِقُونَ قَالُوا : يَا رَسُولَ الله ، قَد عَلِمنَا الثَّرثَارُونَ وَالمُتَشَدِّقُونَ ، فَمَا المُتَفَيهِقُونَ ؟ قَالَ : ” المُتَكَبِّرُونَ” (رواه الترمذي) ، فإن رسالة المنبر إنما هي مكارم الأخلاق ليس فقط في الحث على الإخلاص والصدق والرحمة والتواضع وإنما في أن يكون الخطيب أنموذجًا راقيًا لهذه الصفات ، وإذا كانت السيدة عائشة (رضي الله عنها) قد وصفت نبينا (صلى الله عليه وسلم) فقالت : ” كان خلقه القرآن” ، فإن على الخطيب أن يجتهد في الاقتداء بأخلاق الحبيب محمد (صلى الله عليه وسلم).

    وإذا كان ديننا دين العمل والإنتاج والإبداع والابتكار ، حيث يقول الحق سبحانه : ” إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا ” (الكهف : 30) ، ويقول نبينا (صلى الله عليه وسلم) : ” إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه” (رواه الطبراني) ، فإن المنبر يجب أن يكون داعمًا قويًّا لعجلة العمل والإنتاج وأن يكون مرسخًا لأسس التعايش السلمي والولاء والانتماء الوطني .

     وإذا كان ديننا دين السلام ، حيث يقول الحق سبحانه : ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ” (البقرة : 208) ، فإن المنبر هو وسيلة تحقيق هذا السلام والأمن والأمان ، وإذا كان ديننا دين الذوق والرقي والبعد عن الفحش والخنا والسباب واللعان والفسوق حيث يقول الحق سبحانه : ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ” (الحجرات : 11-12) ، فلا يمكن أبدًا بحال من الأحوال أن يكون المنبر للتطاول على الأشخاص أو المؤسسات أو النيل من الناس أو التعريض بهم ، أو الدعاء عليهم ، أو التحريض على الجميع .

   ولهذا كله كان إصدارنا للوثيقة مؤكدين فيها أن للمنبر رسالة عظيمة سامية ، فهو موضع هداية ، ووسيلة إصلاح وبناء وتعمير ، ومنارة فكر واستنارة ، وسبيل الوسطية والتسامح ، لا يمكن ولا ينبغي أن يكون معول هدم أو تخريب أو إفساد أو تحريض ، أو أن تختطفه جماعة أو حزب ، أو أن يستغله شخص لمصالحه الخاصة ، أو يوظفه لخدمة جماعة أو نشر فكرها أو أهدافها.

     المنبر منارة رحمة وتيسير ، لا تعسير ولا تشدد ، فهو باب سعة لا باب ضيق ، ولا يمكن أن يكون أداة سباب أو لعان ، ولن نسمح أن يكون.

    المنبر أمانة يجب الحفاظ عليها من غير المؤهلين وغير المتخصصين وغير المصرح لهم بالخطابة ، وغير الموجهين إلى ذات المسجد بمعرفة الإدارة أو المديرية التابع لها بخطاب رسمي.

     ومن يخالف ذلك يحرم نفسه من صعود المنبر من جهة ، ويعرض نفسه للمساءلة القانونية من جهة ، والمساءلة أمام لجنة الانضباط والقيم ، ويكون قد أخل بأهم أمانة في ميثاق عمله ومدونة السلوك الوظيفي من جهة أُخرى.

   ولا نقصد بمنبر المسجد الجانب الحسي المجرد ولا بصعوده مجرد صعود درجاته ، إنما نقصد الجانب الحسي والمعنوي معًا ، بحيث لا يسمح باستخدام المنبر ولا المسجد في نشر ما يخالف تعاليم الإسلام السمحة ، أو الخروج على تعليمات الوزارة المنظمة ، أو تمكين غير المصرح لهم بالخطابة من الخطابة أو أداء  الدروس به.

     

مقالات ذات صلة