كف النفس عن الهوى

أ.د/ محمد مختار جمعة
وزير الأوقاف

       شتان بين الإخلاص والتجرد وبين الوقوع في براثن هوى النفس , فأي عملية إصلاح لا يمكن أن تكون تامة ونزيهة وشفافة ومقنعة ما لم يتجرد صاحبها لخدمة دينه ووطنه ومرضاة ربه , ويتخلص من هوى النفس ونزغاتها , ومن ثمة كنا مطالبين بالعدل في الرضا والغضب , في الصديق والعدو , وإيثار المصلحة العامة على هوى النفس وكل الأهواء والمصالح الخاصة , حيث يقول الحق سبحانه : “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَن تَعْدِلُوا وَإِن تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا” , ويقول سبحانه : ” وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى” , ويقول سبحانه : “وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى” , ويقول سبحانه مخاطبًا سيدنا داود (عليه السلام) : “يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ”.

       فالعدل الذي ننشده ونؤكد عليه ليس مسئولية رئيس الدولة وحده , ولا السلطة الأعلى في أي مؤسسة وحدها ، فإن المسئولية في تحقيق العدالة تقع على كل من ولاه الله أمر مجموعة من الناس في أي مجال من المجالات , حيث يقول نبينا (صلى الله عليه وسلم) : ” مَا مِنْ رَجُلٍ يَلِي أَمْرَ عَشَرَةٍ فَمَا فَوْقَ ذَلِكَ إِلَّا أَتَى اللهَ مَغْلُولًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَدُهُ إِلَى عُنُقِهِ فَكَّهُ بِرُّهُ أَوْ أَوْبَقَهُ إِثْمُهُ ، أَوَّلُهَا مَلَامَةٌ وَأَوْسَطُهَا نَدَامَةٌ وَآخِرُهَا خِزْيٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ” , فمدير المدرسة , ومدير المستشفى ، إلى مدير الإدارة في كل مصلحة ، إلى مدير المديرية , إلى وكيل الوزارة, إلى  رئيس القطاع , فالمحافظ والوزير كل في مجاله وميدانه مسئول عن تحقيق العدالة بين مرؤسيه وبين المستفيدين من الخدمة التي تقدمها المؤسسة التي هي في نطاق مسئوليته.

      على أن تحقيق العدل الإداري بين المرءوسين وبين المتعاملين يعمق الولاء والانتماء الوطني , أما ظلم الناس بتقديم الولاء على الكفاءة أو أي لون من ألوان الظلم فإنه يولد الاحتقان المجتمعي ويضعف الولاء الوطني ، ويؤدي إلى الشقاق المجتمعي.

      وعاقبة الظلم هي الهلاك والدمار في الدنيا والسخط وسوء العاقبة يوم القيامة , حيث يقول الحق سبحانه في شأن الظالمين : ” فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا” , ويقول سبحانه : “فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ” , ويقول سبحانه : “وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ”.

      أما في شأن الظالمين يوم القيامة , فيقول سبحانه : ” وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا ” , ويقول سبحانه : ” مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ” , ويقول سبحانه : ” يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ” , ويقول سبحانه : ” إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا” , وإذا كان الماء المغلي يشوي البطون فإن ماء جهنم من نظر إليه على بعد فإنه كما جاء في الآية الكريمة ” يَشْوِي الْوُجُوهَ” , جزاء وفاقا .

      فعلى كل واحد من أبناء المجتمع في إطار مسئوليته التي ولاه الله إياها أن يعدل بين الناس وأن يحكم ضميره الديني والوطني والمهني , وألا يحكم الهوى أو الأهواء أو المجاملة أو أي شيء تحت أي مسمى سوى ما يحقق العدل والنزاهة في أسمى صورهما ومعانيهما.

      ولا يمكن لذلك أن يتحقق إلا بحسن مراقبتنا لمن لا تأخذه سنة ولا نوم , مدركين أنه سبحانه يعلم السر وأخفى , حيث يقول سبحانه : “وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ” , ويقول سبحانه : “مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ” , ويقول سبحانه على لسان لقمان (عليه السلام) في وصيته لابنه : ” يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ”  ، ويقول الحق سبحانه : “يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ”.

مقالات ذات صلة